هل تتجه التنظيمات المتشددة لبناء دويلات بالإقليم؟

13:58

2014-08-30

 

 

لعل الرسالة الأكثر خطورة التي أثارها سيطرة تنظيم مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) مؤخرًا على مدينة الموصل العراقية، هي أن احتمال تشكيل تنظيمات دينية متشددة لدويلات جديدة في إقليم الشرق الأوسط بات أمرًا واقعًا، لاسيما مع تعرض الدولة ذاتها لاهتزازت عنيفة في وظائفها الأمنية.

 

وقد لا تكون الحالة العراقية "استثناء في الإقليم" بفعل خصوصيات الاحتلال الأمريكي، وما خلفه من إضعاف لمفهوم الدولة نفسها؛ إذ إن ثمة محفزات في البنية الجيوسياسية للشرق الأوسط تُشير إلى أن نموذج داعش-ما لم يتم مواجهته- سيكون قابلا للتكرار في دول تُعاني من ذات المعضلة الأمنية، وخاصة سوريا وليبيا ومصر وغيرها.

 

على أنه يمكن القول إن تجربة داعش العراق ليست هي أول محاولة لهيمنة تنظيم ديني متشدد، أو بالأحرى لفاعلٍ من غير الدول، على بقعة جغرافية في الشرق الأوسط؛ إذ سبق لتحالف إثني بين الطوارق والجماعات الإسلامية في مالي السيطرة على الشمال، وهو ما استدعى تدخلا فرنسيًّا بغطاء دولي لمطاردة تلك الجماعات التي مثلت روابطها مع نظيرتها في الجزائر وليبيا أحد أبرز المحفزات لنشوء أزمة شمالي مالي، كما أن نموذج شباب المجاهدين في الصومال أيضًا، والذي واجهه تحالف إفريقي-دولي مَّثل أيضًا محاولة مهمة في هذا السياق.

 

وغير بعيد عن ذلك، تبدو درنة في شرق ليبيا موطنًا للجماعات الإسلامية المسلحة كأنصار الشريعة وغيرها، وهو ما مثل أحد دوافع عملية كرامة ليبيا التي أطلقها اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بينما هنالك نماذج لا تزال في إطار محاولات السيطرة على بقع جغرافية كتنظيم القاعدة في جنوب اليمن، وبوكو حرام في نيجيريا، والجماعات المتشددة في سيناء التي دخلت في صراع مسلح مع الدولة المصرية إثر ثورة 30 يونيو التي أسقطت حكم الإخوان المسلمين.

 

إذن، البيئة الرخوة في الشرق الأوسط، وخاصة بعد ثورات الربيع العربي، تمثل محفزات لإقامة دويلات دينية متشددة، لاسيما أن تلك الدول عانت تعثرًا في مساراتها الانتقالية،ونشوءًا للصراعات الهوياتية المجتمعية، وما يعظم من تلك المخاطر حجم التشابكات والروابط بين تلك الجماعات المتشددة العابرة للحدود في الإقليم.

 

في هذا الإطار، تبدو أهمية هذا الملف للمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية الذي أولى اهتمامًا لظاهرة التنظيمات الدينية المتشددة في إقليم الشرق الأوسط منذ انطلاقه كمركز تفكير علمي في عام 2012. ويتضمن الملف ثلة متنوعة من الموضوعات بعضها تنبأ بما حدث في العراق، والآخر طرح مخاطر أكثر عمقًا لهذه الجماعات المتشددة في عدة دول مختلفة كمصر والجزائر واليمن وليبيا. بل إن ثمة موضوعات كانت بمثابة "إنذار مبكر" للتشابك العابر للحدود بين التنظيمات الدينية المتشددة في الإقليم، سواء باتجاه منطقة الساحل والصحراء، أو باتجاه آسيا حيث باكستان وأفغانستان.