أهداف استراتيجية عسكرية ومدنية تحققها المنطقة العازلة؟

13:42

2014-11-06

مكرم محمد أحمد

تؤكد كل الأنباء القادمة من سيناء، سواء على ألسنة مسئولين مصريين فى مقدمتهم عبدالفتاح حرحور محافظ شمال سيناء، أو على ألسنة ممثلى وكالات الأنباء، أن عملية إخلاء المنطقة العازلة فى مساحتها المحدودة بامتداد حدود مصر مع قطاع غزة وعمق لا يتجاوز نصف كيلومتر تمضى بسلاسة دون مشاكل كبيرة أو اعتراضات مؤثرة، وتتم فى الأغلب بالتوافق والرضا الكامل مع غالبية سكان المنطقة الذين تلقوا تعويضات عادلة، وأن عدد المنازل التى تم إخلاؤها بالفعل جاوز نصف العدد المطلوب، بما يؤكد أن إخلاء السكان وإقامة المنطقة العازلة لن يتجاوز موعده الأقصى نهاية نوفمبر الحالى.

بعدها تستعيد مصر سيطرتها الكاملة على منطقة الأنفاق التى اخترقت سيادة مصر وهددت أمنها واقتصادها الوطنى، وجعلت سيناء مرتعاً لجماعات الإرهاب، ومكّنت حماس من التواطؤ على الدولة والثورة المصرية، وكانت سبباً فى تعاسة أهل سيناء الذين عانوا طويلاً من شح مواد البترول والوقود وغلاء أسعار الخبز والمواد الغذائية، لأن معظم هذه السلع كان يتم تهريبها عبر الأنفاق إلى قطاع غزة لحساب مجموعة جد محدودة من المستفيدين حققت ثراءً فاحشاً، حولوا منازلهم إلى فوهات لشبكة أنفاق ضخمة جاوز عددها 1800 نفق، تديرها وتراقبها فى قطاع غزة حكومة حماس! و تتقاضى عنها مكوساً وضرائب على كل سلعة يتم تهريبها بلغ عائدها 2 مليار دولار تدخل خزانة حماس التى أساءت استخدام الأنفاق وأبقت عليها شوكة حادة فى خاصرة مصر تستنزف اقتصادها وسيادتها وأمنها، وتتيح لجماعات الإرهاب فى سيناء أن تسدد ضرباتها المفاجئة لكمائن قوات الجيش والشرطة المصرية، ثم تعود هاربة عبر الأنفاق إلى قطاع غزة تحت سمع وبصر حماس التى تعرف دبيب النملة فى القطاع، وتقيم على كل نفق مراقباً من رجالها بما يؤكد تواطؤها المشين مع هذه الجماعات.. ولهذه الأسباب سوف تبقى حماس فى نظر غالبية المصريين ولزمن طويل قادم عنصر تآمر على أمن مصر الوطنى ينبغى الحذر منه والتشكك فى صدق أفعاله ونياته، خاصة أن وقائع خيانة حماس لمصر موثقة على نحو دقيق فى قضايا خطيرة ينظرها القضاء المصرى!

ولأن غالبية أهل سيناء بمن فيهم معظم شيوخ القبائل كانوا يحذرون من خطر الأنفاق، ويرون أنها أس الفساد الذى خرب علاقات المجتمع السيناوى، ويطالبون علناً الدولة المصرية التى سكتت على هذه الأنفاق فترة طويلة لتخفيف وقع الحصار على قطاع غزة بتدمير هذه الأنفاق بعد أن استفحل خطرها، تعرض عدد غير قليل من هؤلاء المشايخ لعمليات اغتيال قامت بها جماعات الإرهاب انتقاماً منهم، آخرها محاولة اغتيال الشيخ عيسى الخراطين شيخ قبيلة الرميلات التى تسكن المنطقة المطلة على حدود غزة، أمطروه بوابل من النيران وهو يقود سيارته فى مدينة العريش، ولولا أن القوات المسلحة سارعت بنقله فى طائرة هليكوبتر إلى مستشفى المعادى بالقاهرة، لكان ضمن أكثر من 12 من كبار مشايخ سيناء قتلتهم جماعات الإرهاب، لأن مطلبهم العلنى فى كل مؤتمر ولقاء كان تدمير الأنفاق وإغلاقها على نحو نهائى، لأن العمليات العسكرية التى استهدفتها فى البداية كانت تكتفى بردم فوهاتها التى تفتح على الحدود المصرية، لكن سرعان ما كانت عصابات المستفيدين من الأنفاق وفى مقدمتها حماس تعاود فتح فوهات للأنفاق التى كان يتسع بعضها لمرور سيارة نقل كبيرة، ويتم استخدامها فى تهريب المقاتلين والذخائر والأسلحة ومواد البناء والغذاء وآلاف السيارات المسروقة من المدن المصرية، تتقاضى عنها حماس ضرائب تصل إلى 500 دولار، وتعود لتتقاضى مرة ثانية المبلغ نفسه من صاحب السيارة إذا ذهب إلى قطاع غزة وتعرف على سيارته المسروقة فى الأسواق، ونجح فى التفاوض على استعادتها لقاء (حلوان كبير) يتجاوز 1000 دولار.. و مع الأسف كان يجرى كل ذلك تحت سمع وبصر حماس التى لا تملك حتى الآن شجاعة الاعتذار عن أخطائها الفادحة ضد مصر والمصريين، ولا تزال تتمسك بالإنكار رغم الدلائل قطعية الثبوت التى وردت فى تحقيقات قضية سجن وادى النطرون!

وإن كان القضاء على فوضى الأنفاق واستعادة سيادة مصر على موقع استراتيجى خطير يتعلق بصميم أمنها الوطنى أساءت حماس استخدامه إلى حد الخيانة، هو الهدف الأول من إنشاء منطقة عازلة على حدود مصر مع قطاع غزة، فإن الهدف الثانى هو تقليل فرص جماعات الإرهاب فى مفاجأة الكمائن الثابتة والمتحركة لقوات الجيش والشرطة المصرية فى هذه المساحة المحدودة ما بين العريش ورفح، التى تمكن الإرهابيين من توجيه ضربة خاطفة لهذه الكمائن والهرب سريعاً عبر الأنفاق إلى قطاع غزة.. ومع الأسف لم تفلح التحذيرات المتكررة للسلطات المصرية فى إلزام حماس التى تدير الأنفاق وتراقبها على مدار الساعة فى منع جماعات الإرهاب من استخدام الأنفاق.. على العكس وضح للمصريين أن ثمة علاقة تحالف وتوافق فى الأهداف بين حماس وهذه الجماعات التى تربطها علاقات عضوية مع عدد من الجماعات التكفيرية فى قطاع غزة!

وما من شك أن إبطال دور الأنفاق بصورة نهائية سوف يسد الطريق على دعم جماعات الإرهاب فى سيناء، التى تستغيث الآن عبر الإنترنت بجميع المنظمات الإرهابية وفى مقدمتها «داعش»، تطلب مدداً من الإرهابيين يساعدها على فك الحصار الذى فرضته القوات المسلحة من خلال إنشاء المنطقة العازلة لأن الأنفاق هى أقصر الطرق إلى سيناء، ولأن كل الطرق الأخرى تمر بصحراء مكشوفة تمتد بطول البحر الأحمر يسهل مراقبتها ومطاردة وقصف من يحاولون اجتيازها.

والأكثر أهمية من ذلك أن إخلاء السكان فى هذه المساحة المحدودة (1100 أسرة) سوف يساعد القوات المسلحة المصرية على الانتقال من حالة الدفاع خلف كمائن ثابتة أو متحركة إلى حالة الهجوم النشيط التى تمكنها من مطاردة الجماعات الإرهابية حتى أوكارها الأخيرة وتمشيط المنطقة شبراً شبراً على نحو يساعد على اجتثاث هذه الجماعات، وهو الأمر الذى يتم الآن بصورة يومية أثمرت نتائج باهرة، قلصت مساحات نشاط هذه الجماعات، وحرمتها من إمكان تحقيق أي مفاجأة على الطريق من رفح إلى العريش، وكبدتها خسائر فادحة فى الأرواح والمعدات.

وليس سراً أن القوات المسلحة كانت تتحفظ على تطبيق قانون الملكية للأراضى الصحراوية فى المناطق المتاخمة لحدود قطاع غزة باعتبارها مناطق استراتيجية يتعلق بها أمن مصر، لا يجوز أن تذهب ملكيتها بالبيع أو الشراء لغير المصريين، وظل هذا الوضع مطبقاً على جميع أراضى سيناء رغم اعتراف الدولة المصرية بحيازة السيناويين لهذه الأرض لأجيال متتابعة فى إطار نظام وضع اليد، الأمر الذى حرم السيناويين من حق تملك أراضيهم.. وأظن أن وجود المنطقة العازلة وترسيم حدودها على نحو يوافق متطلبات الأمن المصرى سوف يزيل معظم العقبات التى تقف حائلاً دون تمتع أهل سيناء بحقوق ملكية أراضيهم، التى تشكل الباب الصحيح والمدخل الضرورى لضمان تنمية شاملة لسيناء، ينهض بها الأهلون واثقين من أنهم المستفيدون الأوائل من تنمية جادة تتم على أراضٍ يتمتعون بحق ملكيتها، شأنهم شأن بقية المصريين فى وادى النيل.. وخير ما تفعله حكومة المهندس إبراهيم محلب أن تضع تنمية سيناء على أولوية اهتمامها الآن، وتسارع بتطبيق قانون الملكية تنفيذاً لوعود الحكومات المصرية على امتداد عقدين كاملين، لأن تطبيق قانون الملكية على أرض سيناء سوف يحفز قدرات الأهلين على المشاركة الجادة فى تنميتها خاصة إذا تم تنشيط وإحياء مشروع ترعة السلام الذى يهيئ فرصاً كبيرة لزيادة أعداد سكان سيناء على نحو مطرد يكفل حمايتها ويصون أمنها.