بلاد العجائب

13:41

2014-11-06

نبيل عمرو

لا أغالي لو قلت إن منطقتنا صارت في التاريخ والواقع «بلاد العجائب»، ففيها من الظواهر المتفردة ما لا يوجد مثلها في أي منطقة أخرى من مناطق العالم، فنحن منطقة الاقتتال بالجملة والتفصيل، وعلى كل شيء نختلف، حد الاقتتال، على تفسير التاريخ ووقائعه التي تمتد إلى الوراء آلاف السنين، ونقتتل حول الجغرافيا، فما من بلد إلا وينازعه عليه بلد آخر، تارة تحت مسمى الهوية الأصلية، وتارة أخرى تحت عنوان الوحدة وبناء السدود في وجه الطامعين والمتآمرين، أما الأجنبي الذي لولا مؤامراته علينا لكنا فعلا خير أمة أخرجت للناس، ولكانت لندن على الأقل مربط خيلنا.


وفي بلادنا كذلك، هنالك حالة من تصنيف الرعب على الحاضر والمستقبل، فمن لم يعمل في رقبته سيف الذبح والبراميل المتفجرة، فإنه لا يبيت ليلة واحدة دون أن يخاف من حقيقة أن الذبح قادم.


وفي بلادنا كذلك تقنين للأوهام والخيالات وتدبيج برامج سياسية على أساسها، فتحرير القدس مثلا مسألة وقت ليس إلا، وتوحيد العراق في متناول اليد مع بعض الصعوبات الفنية، أما سوريا درة الشرق وموئل الأحلام والأماني القومية والثورية وحتى الانعزالية، تتسرب من بين أيدينا إلى مصير لم نكن نتخيله، حتى إن بعض السوريين يتمنون لو أن الله يفرج عليهم بتقسيم بلادهم كي تعيش كل فئة أو طائفة أو مجموعة داخل «غيتو» أهم مزاياه أنه قد يقلل منسوب الدم والموت، ولو بنسبة 10 في المائة.


هذه نماذج وليست كل شيء، ودلونا على شعب عربي لا يخاف على حاضره ومستقبله، ولا يلعن صباح مساء تلك الشعارات الوهمية التي حكمت بلداننا وشعوبنا عقودا من الزمن، إلا أن ضاقت ذرعا بجهلنا ولا مبالاتنا، فانفجرت دفعة واحدة فيما نسميه الربيع العربي، الذي تخيلناه خلاصا من واقع مظلم كريه، فإذا به وعن طريق مقاولي الحروب والمآسي يأخذونه ويأخذوننا معه في اتجاه آخر.


وفي «بلاد العجائب» هذه، يظهر تناقض لا أخاله موجودا إلا عندنا، وهو أن أصل البلاء هو أميركا راعية وحامية وداعمة إسرائيل، هذا كلام يقال في النهار، أما في الليل فالكل يتوسل علاقة مع أميركا ويحلم بحظوة في رحابها، حتى بلغ الأمر بنا حد استدعائها لمحاربة خصومنا نيابة عنا مع استمرارنا في وصفها بأصل البلاء والداء.


وعندنا في فلسطين يحدث ما هو خارج عن أي منطق، فاتخاذ قرار حرب ندفع جراءها أثمانا باهظة، هو قرار مجموعة رأت أن أجنداتها بحاجة إلى هذه الحرب دون الاكتراث بما يليها، فنحن وإن تميزنا بمأساتنا وحصلنا على لقب أصحاب القضية المركزية، إلا أننا كبقية عرباننا ننسخ سلبياتهم حرفيا ونبرر هذا النسخ بأنه مأثرة تفرضها صلة الدم ووهم المشاركة في المصير.


وها هو الشتاء يحل قارصا ومبكرا ونحن ما نزال نفطر على شعار ونتغدى على ادعاء، وننام ملتحفين بأمنية أن نصحو في اليوم التالي قد أفرجها الله علينا، ولِمَ يفرجها الباري عز وجل ما دمنا لا نعاونه ولو قليلا في إخراجنا من المحنة المستديمة التي تارة نبلعها كما لو أنها بأمر منه أو من أجله.


ولماذا يساعدنا أو يكون في عوننا بعد كل هذا الجنوح والجموح الذي فاق في كوارثه أضعاف أضعاف تلك الكوارث التي وقعت جراء اقتتالنا على مدى التاريخ.


إن الله سبحانه وتعالى قال لنا كلمة السر للخروج مما نحن فيه، كان قولا بليغا وعميقا يردده الخطاءون منا أكثر مما يردده غيرهم، ويقرره علينا خطباء المساجد والمنتديات والفضائيات والزعماء:«إنّ اللّهَ لا يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ».


فمن يغير وكيف وفي أي اتجاه؟ هذا هو السؤال الذي أخشى ما أخشاه أن نستدعي الشيطان الأكبر الأميركي لأداء مهماته.