الشعار والمسعى في اليمن

14:45

2014-11-04

حين يهتف غوغاء الحوثيين: «الموت لأميركا» عليك أن تفتش عن مكمن الخديعة والنَصب، في منطق المرجعيات التي لقنت هؤلاء، شعاراً بهذه الصيغة. ليس ذلك لأن البلدان، صغيرها وكبيرها، لا تموت، وإنما لأن الشعار مُضلل أصلاً ومفسد للذائقة السياسية. فالأعداء لا يُواجهون بنداء يتوخى الموت لبلدانهم, لأن ليست بشراً لها رؤوس تُقطع فتموت ولأن المرتجى هو إسقاط السياسات العدائية وإحباطها ثم نقطة على السطر. وحتى شعار «تسقط أميركا» ليس منطقياً، لأن لا شيء يسقط من تلقاء نفسه. فالمنطقي هو شعار يدعو الى إسقاط السياسات الأميركية ومواجهتها. وهذا ما لا يريد أن يفعله طُلاب الموت لأميركا في طنينهم الفارغ، وعلى أية حال ليس هذا هو بيت القصيد.


كان الملالي الإيرانيون هم الذين انتجوا شعار «الموت لأميركا» الذي كان لازماً للسوق المحلية ولجوراها. هي سوق أو حارة، تبحث عن بطل يكسر رأس الفتوّة المتجبر. وحين يظهر الفتى، ولنفترض أنه فريد شوقي في أفلام الأبيض والأسود؛ فإن مليحات الحي كله، فضلاً عن قبيحاته، يُعجبن بالبطل ويتوخين وصالاً، ثم سرعان ما يغرق البطل في نعيمه الخاص والاستثنائي. وهذا هو الذي كان الملالي يريدونه، من تمويت أميركا زعيقاً.


كانت عين الفتوّة على العراق، فيما الشعار يلعلع بمقولة الموت. لكن الذي جرى في السياق، أن مُلا عراقياً بعمامة تحاكي عمامة أكبر مُلا إيراني؛ كان يدخل الى البيت الأبيض، متأبطاً ملفه، يلتفت يميناً وشمالاً كذئب خائن لا يريد أن يراه أحد، فيما عيناه تبرقان بالخسة، في مسعى لتدمير العراق، وطنه، وأخذه الى هذه الحال التي بات عليها. يسافر بعدها الى طهران، ويتحدث أمام جمهرة تقاطعه وتهتف:»الموت لأميركا» وكأن أميركا ستموت بشفاعة أنفاسه. فعندما مات عبد العزيز الحكيم، نعاه المُلا اللبناني، قائلاً إن الأمة فقدت مجاهداً عظيماً، وعَلَماً من أعلامها وسراجاً منيراً!


عندما تكسد البضاعة المغشوشة، تفتش لها عن سوق فقيرة وعطشى. سلعة «الموت لأميركا» راجت عند جماعة الحوثيين في اليمن. لكن السياسة، سرعان ما باعدت على الأرض، بين الشعار والمسعى. هجم الحوثيون على سائر اليمن، ولضمان الحصول على ما فاز به الملالي في العراق؛ تحركوا لمطاردة «القاعدة» في جيوبها داخل البلاد. لكن وقائع الغمار، فضحت الغانمين: طائرات أميركا التي بلا طيارين، المجهزة بالقذائف الموجهة، ساندت الحوثيين من الجو. غُرف التحكم على الأرض، موصولة بغرف عمليات الجماعة نفسها التي تهتف:»الموت لأميركا». والمسألة كلها، تطرح أحجيتها في إطار مباحثات الملف النووي الإيراني الذي سيشهد حلاً بعد أيام، تأمل طهران أن يكون بشروط أفضل، عندما يلتقي جون كيري نظيره الإيراني في مسقط، بحضور كاثرين أشتون مفوضة الشؤون الخارجية الأوروبية. إن بعض أوطان العرب تحترق، لكي تتعزز أوراق محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني. وفي خلفية الصورة، تؤكد أوساط بحثية أميركية، على جدارة الحوثيين في الحكم، بل إن الموقف الأميركي الرسمي نفسه، استقر على العمل لإيقاف الصراع، وحث الحكومة اليمنية على تقبل الحوثيون كممثلين سياسيين وتركيز جهودها لتطهير البلاد من تنظيم «القاعدة». وأميركا تريد الحوثيين منزوعي الدسم، أي أن يقشطوا طوعاً عبد الخالق الحوثي وعبد الله يحيى الحكيم، أي ابن عم «الزعيم» عبد الملك ونائبه، وهما المسؤولان ميدانياً، عن ارتكاب فظائع طالت فضلاً عن المسلمين اليمنيين عدداً من بقايا اليهود في صعدة وفي محافظة عمران. قبلها نشر الأميركون كتاباً بعنوان «الظاهرة الحوثية» لباراك سالمون ومادلين ويلز، جاء فيه إن تطورات الصراع الداخلي في اليمن، تهدد المصالح الأميركية، ما يجعل واشنطن معنية بالتمكين للطرف الأقوى، وهو عدو لتنظيم «القاعدة» أصلاً، ولقراصنة البحر الصوماليين!


على الرغم من ذلك كله، لا زال البعض العبيط يهتف:»الموت لأميركا» بينما الموت يطال العربان ويعذب أوطانهم، ويمهد لغلبة من صاغوا الشعار المخادع، ولأن تزداد أميركاً صلفاً!