"ثورة إيران".. كفاح شعب ضد "ملك" مستبد.. والخميني يحرم "الديموقراطية"

13:50

2014-11-04

الشروق العربي

ثورة نشبت سنة 1979، ضد حكم الشاه محمد رضا بهلوي، لتحول إيران من نظام ملكي، إلى جمهورية إسلامية عن طريق الاستفتاء.

ثورة فريدة من نوعها، باعتبارها مفاجأة على مسرح الأحداث الدولية، وذلك من حيث السرعة التي حدث بها التغيير العميق، وكذلك الدور القيادي للدين فيه، إضافة إلى انعدام الأسباب الاعتيادية المعروفة للثورة، كالأزمات المالية، أو الهزائم العسكرية، أو عصيان الفلاحين، أو التمرد العسكري.

 

وصل الشاه محمد رضا بهلوى إلى السلطة عام 1941، بعد عزل والده رضا بهلوي، من قبل غزو تحالف القوات البريطانية والسوفيتية عام 1941، فكان رضا شاه رجلًا عسكريًا معروفًا بتصميمه على تحديث إيران وعداؤه لطبقة المتدينين، وأمسك بالسلطة حتى ثورة 1979.

 

وتعود أسباب الثورة الإيرانية إلى سياسة التغريب القوية التي انتهجها الشاه، على الرغم من تعارضها مع الثقافة الخمينية للشيعة، وعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل، واعتماده على القوى الغربية "أمريكا"، بالإضافة إلى فشله في استقطاب المتعاطفين والأتباع من القيادات الدينية الشيعية لمقارعة الحملة الخمينية ضده، وتركيز الحكومة على مراقبة وقمع مجاهدي حركة "مجاهدي خلق"، وباقي أطياف المعارضة اليسارية الإيرانية، بينما راحت المعارضة الدينية الأكثر شعبية تنتظم حتى ثارت ضد الشاه، ولم يكتفي نظام الشاه بهذا فقط، بل انتهك الدستور الإيراني الذي وضع سنة 1906، بما في ذلك قمع المعارضة من خلال جهاز الأمن، وفشل البرنامج الاقتصادي عام 1974، في مواكبة الطموحات التي أثارتها عائدات النفط، إضافة إلى تكريسه سياسة احتكار الحزب الواحد، وتزايد حدة التضخم، ثم انتشار الأسواق السوداء، وسوء تقدير سياسة التقشف، التي أغضبت الباعة والناس، بالإضافة إلى سوء تقدير قوة المعارضة، طبيعة حكومة الشاه، التي منعت بروز أي منافس ذو كفاءة يمكن أن يقود الحكومة، مما أدى إلى إضعاف فعالية الحكومة وتدني مستوى الإنتاج، وعليه زُرعت الانقسامات داخل الجيش، ومن الأمثلة الحيّة على ذلك أنه: حلت ذكرى مرور 2500 عامًا على تأسيس الامبراطورية الفارسية في أكتوبر عام 1971، ودُعيت شخصيات أجنبية وعربيه للحفل، الذي استغرق ثلاثة أيام مليئة بالتبذير المفرط، وقدم فيها أكثر من طن من "الكافيار"، وجُلب 200 طاه من فرنسا لإعداد الولائم، وبلغت التكاليف الرسمية للحفل 40 مليون دولارًا، وفي تقاريرٍ أخرى مبالغ تتراوح من 100 إلى 120 مليون دولارًا، في الوقت التي دخلت فيه ولايات ومحافظات "بلوشستان وسيستان وحتى فارس" المناطق التي أجريت فيها الاحتفالات، تحت وطأة جفاف وقحط وفقر.

 

وقبل اندلاع أحداث الإيرانية ظهرت شخصية، "الخميني" أول مرة، أوائل عام 1963 لقيادة المعارضة، التي تحركت ضد برنامج الإصلاحات، الذي أعلنه الشاه والمعروف باسم "الثورة البيضاء"، التي شملت إعطاء حق التصويت والاقتراع للنساء، وتغيير قوانين الانتخابات التي أتاحت انتخاب ممثلين للأقليات الدينية للبرلمان، وإجراء تعديلات على قانون الأحوال الشخصية، الذي يمنح المرأة المساواة القانونية في الزواج، وتوزيع ممتلكات بعض رجال الدين الشيعة.

 

حلت غيمة التضخم والهدر والفجوة المتسارعة بين الأغنياء والفقراء، والريف والمدينة، وذلك في أواخر سنة 1974، التي كان من المفترض فيها حدوث "حضارة عظيمة" وعد بها الشاه، اعتمادًا على الطفرة النفطية، وعليه غضب القوميون الإيرانيون من عشرات الآلاف من العمال الأجانب الذين جاؤوا إلى إيران لتشغيل معدات عسكرية أمريكية، لم تحظَ في الأصل بدعم أو قبول شعبي.

 

أتت أولى مظاهر المعارضة من الطبقة الوسطى في المدن، وهم فئة من السكان كانوا من العلمانيين نسبيًا، وأرادوا بناء ملكية دستورية وليس جمهورية إسلامية، ومن أبرز هؤلاء مهدي باذرخان من "حركة تحرير إيران"، وهي حركة ليبرالية إسلامية معتدلة، كانت وثيقة الصلة بالجبهة الوطنية التابعة لمحمد مصدق، وقد لاقت هذه المجموعة دعمًا كبيرًا في إيران ومن الغرب، وانقسم رجال الدين وتحالف بعضهم مع الليبراليين العلمانيين وآخرون مع الماركسيين والشيوعيين، وعمل الخميني الذي كان منفياً في العراق، على أن تتوحد المعارضة الدينية والعلمانية والليبرالية والأصولية تحت قيادته، وذلك عبر تجنب الخوض في التفاصيل علنًا، ما قد يضع خطر التفرقة بين الفصائل.

 

الخميني الذي كان منفياً في العراق، عمل على أن تتوحد المعارضة الدينية والعلمانية والليبرالية والأصولية تحت قيادته، وذلك عبر تجنب الخوض في التفاصيل، على الأقل علنًا، فتلك قد تفرق بين الفصائل، وسجلت مختلف المجموعات المناهضة من الخارج، خطابات قادة هذه الجماعات على أشرطة تسجيل ليتم تهريبها إلى إيران ليستمع إليها الكثيرون من السكان.

 

وخلال يناير 1978، أوردت الصحافة الرسمية قصة تشهير، هاجمت فيها الخميني، وخرجت جموع غاضبة من الطلاب والزعماء الدينيين احتجاجًا على تلك الادعاءات في مدينة قم، وقام الجيش بتفريق المتظاهرين، مما أدى لمقتل بعضهم، يزعم البعض أن عدد القتلى تجاوز 70 طالباً، ووفقًا للعادات الشيعية، يُجرى حفل تأبين في ذكرى مرور أربعين يومًا من وفاة شخص ما، وعليه أطلقت المساجد في كل البلاد الدعوى للمشاركة في تكريم الطلاب القتلى، واستجابت عدة مدن للنداء، وسارت المظاهرات تكريمًا للقتلى، واحتجاجًا على حكم الشاه، ولكن هذه المرة وقعت أعمال عنف، وقُتل المئات من المتظاهرين، وتكررت الحادثة مرة أخرى في 29 مارس، حيث وقعت جولة جديدة من الاحتجاجات في سائر البلاد، وهوجمت الفنادق الفارهة، ودور السينما، والبنوك، والمكاتب الحكومية، ومدارس البنات، وغيرها من رموز نظام الشاه، وتدخلت قوات الأمن مرة أخرى، وقتل الكثيرون، وتكرر الأمر نفسه في 10 مايو من نفس العام.

 

استمر العنف، ليحصد أكثر من 400 شخص قضوا في حريق سينما ريكس، وهو حريق متعمد وقع في أغسطس من نفس العام، في عبدان، وفي اليوم التالي تجمع 10.000 من أقارب القتلى والمتعاطفين، لتشييع جماعي حاشد ومظاهرة تنادي "ليحترق الشاه" و"الشاه هو المذنب".

 

ومع حلول سبتمبر، كانت البلاد مزعزعة على نحو شديد، وتحولت المظاهرات الحاشدة إلى أحداث منتظمة، ففرض الشاه الأحكام العرفية، وحظرت كل التظاهرات، ويوم الجمعة 8 سبتمبر 1978، خرجت مظاهرة حاشدة للغاية في طهران، وكانت هي المظاهرة التي حولت ذلك اليوم إلى ما بات يعرف اليوم باسم "الجمعة الأسود".

 

بلغت الاحتجاجات ذروتها في ديسمبر 1978، خلال شهر محرم أحد أهم الشهور لدى المسلمين الشيعة، وفي 12 ديسمبر، خرج إلى شوارع طهران نحو مليوني شخص ملئوا ساحة "أزادي شاهياد"، مطالبين بإزالة الشاه، وعودة الخميني.

 

وفي 16 يناير 1979، غادر الشاه والملكة إيران نزولاً عند طلب رئيس الوزراء الدكتور شابور بختيار، الذي كان لفترة طويلة زعيم المعارضة، وظهرت مشاهد الابتهاج العفوي، ودمرت خلال ساعات "كل رموز سلالة بهلوي".

 

وأعلن بختيار حل البوليس السرى "سافاك"، الذي كان ندًا دائمًا للمعارضة، وأفرج عن السجناء السياسيين، ووعد بانتخابات حرة، وأمر الجيش بالسماح للمظاهرات الشعبية، وبعد عدة أيام من التوقف، سمح بعودة الخميني إلى إيران، وأسند إليه تأسيس دولة مثل "الفاتيكان"، ودعا المعارضة للمساعدة على الحفاظ على الدستور.

 

وفي 1 فبراير من نفس العام، عاد الخميني إلى طهران، محاطًا بحماس وتحية عدة ملايين من الإيرانيين، وتسلم الخميني السلطة، بصفته قائدًا للثورة، وذلك أثناء تنافس من مجموعات كثيرة على السلطة، ولدى كل منها تفسيرات مختلفة لأهداف الثورة، ولكن البقاء كان للأقوى، وهم بلا شك الخميني وأنصاره.

 

بادرت قيادة الثورة في البداية إلى إعدام كبار الجنرالات، وبعد شهرين أعدم أكثر من 200 من كبار مسؤولي الشاه المدنيين، بهدف إزالة خطر أي انقلاب، وأجرى قضاة الثورة من أمثال القاضي الشرعي صادق الخلخالي محاكمات موجزة افتقرت إلى وكلاء للدفاع أو محلفين أو إلى الشفافية، ولم تمنح المتهمين الفرصة للدفاع عن أنفسهم.

 

وفي يوليو 1980، اجتمع زبيغنيو برزينسكي مستشار الأمن القومي، بالحسين بن طلال ملك الأردن في عمّان، لمناقشة خطط مفصلة، يرعى من خلالها الرئيس العراقي صدام حسين، تقديم انقلاب في إيران ضد الخميني، وذلك بسبب خيبات الأمل التي استشعرها الديموقراطيون، عندما أعلن الخميني: "لا تستخدموا هذا المصطلح الديموقراطية، إنها مفهوم غربي"، وفي منتصف شهر أغسطس تم إغلاق عشرات الصحف والمجلات المعارضة لفكرة الحكومة الخمينية، وبعد نصف سنة بدأ قمع المعارضة الخمينية المعتدلة، المتمثلة في "حزب الشعب الجمهوري"، وأحيانًا استخدم الخميني اسلوب التكفير للتخلص من معارضيه، وأساليب قمعية كثيرة.

 

تم تنظيم الضباط الإيرانيين بواسطة بختيار شابور، الذي فر إلى فرنسا بعد تسلم الخميني السلطة، لكنه كان يدير العمليات من بغداد والسليمانية، في الوقت الذي تم فيه لقاء بين زبيغنيو والحسين بن طلال، وخلال هذه الأثناء تسربت أنباء الخطة إلى الخميني عن طريق عملاء سوفييت في فرنسا وباكستان وأمريكا اللاتينية، وسرعان ما تمكن الرئيس الإيراني من تطويق قرابة 600 من الضباط، وأعدم كثيراً منهم، واضعًا نهاية حاسمة لخطة الانقلاب، ونتج عن ذلك حربًا دامت 8 سنوات، حصدت أكثر من مليون قتيل.

واستمر التذمر من الاستبداد والفساد الذي انتشر في عهد "الشاه" وحاشيته، يوجه ضد "الملالي" في إيران، فالخوف من البوليس السري "السافاك"، حل محله الخوف من الحرس الثوري، فعلى الرغم من بروز درجة من التمثيل الحكومي، والانتخابات الديمقراطية في مرحلة ما بعد الثورة، من حيث الهيكل السياسي، إلا أن البعض يتحدث عن انتهاكات لحقوق الإنسان في النظام الديني، التي زادت عما كان يحصل في عهد الملكية، مثل "التعذيب والسجن للمخالفين، وقتل كبار النقاد أمر شائع"، بالإضافة إلى سوء وضع المرأة، واضطهاد الأقليات، وخاصة اتباع المذهب البهائي، الذي أُعلن أنه بدعة، وتم إعدام أكثر من 200 من أعضاء الطائفة البهائية، وسجن آخرون في حين حُرم الآلاف من فرص العمل، والمعاشات التقاعدية، والأعمال، وفرص التعليم.