براءة إخوان تونس من التمدد الخارجي

12:35

2014-11-03

فارس بن حزام

وجه الثورات العربية وشيطانها استقبل بالطرد فور أن وطأت قدماه أرض مطار قرطاج. حضر المفكر الفرنسي برنار هنري ليفي إلى تونس للقاء شخصيات ليبية متطرفة، فتفاجأ بالطرد الشعبي. ربما أنه فهم عقولاً عربية واستعصى عليه المزاج التونسي.

الحالة التونسية متمايزة عن محيطها العربي. تونس لا تشبه أنظمة ومجتمعات العرب. بلد منشغل بذاته، وشعب لا تغادر هواجسه حدود تراب الوطن، وفي الوقت ذاته يرفض أن يكون مسرحاً للآخرين، لذا طرد ليفي فوراً.

وقصة طرد المفكر الفرنسي فرصة للتعرف أكثر على الواقع التونسي. هذا البلد المنفتح سياسياً، والمتصدر تعليماً وثقافة، والمليء بالأحزاب والأفكار السياسية، المعتدل منها والمتطرف، كل هذا التنوع لا يغادر الحدود، ونجم المرحلة الجديدة من تونس 2011 هم الإخوان بكل تأكيد، وفارق إخوان تونس عن بقية الإخوان مرتبط بالعقل الحاكم للنظام والناس والأفكار السياسية، إذ إنه منشغل بذاته وبوطنه، ومتجنب إلى حد كبير الجنوح إلى الخارج، فكما لاحظنا طوال ثلاثة أعوام كان إخوان تونس أقل فروع الإخوان انشغالاً بالعالم العربي، فلم تظهر لهم أية نوايا لمد مشروعهم إلى خارج تونس، وحتى في اختبارات الجيرة، تجنبوا كثيراً الساحة الليبية رغم خضوعها لرفاقهم.

والحياد التونسي ليس حديثاً، فقد شكله العرب عقاباً للزعيم التاريخي الحبيب بورقيبة، فالرجل الذي سبق زمانه وأقرانه العرب، ساهم في تطوير مجتمعه ودولته بقرارات رسمت الهوية التونسية. أحدها كان "مجلة الأحوال الشخصية". قانون للمرأة صدر في 13 أغسطس 1956، ينظم حياتها وحقوقها، ويشمل تفاصيل الطلاق والزواج والإعالة وغيرهم. أصدره بورقيبة بصفته رئيساً حديثاً للحكومة، وليس رئيساً للدولة، فجعل المرأة نصف المجتمع قولاً وفعلاً، وليس كما يدعي اللبنانيون. قانون استعصى على زين العابدين بكل جبروته، ولم تجرؤ النهضة عليه. غيروا دساتير حكم البلاد ولم يتمكن أحد أن يحدث تغييراً في قانون المرأة.

قانون المرأة، الفريد عربياً، سيطر طوال نصف قرن على مسار الأحزاب، ورسم حدودها السياسية جغرافياً، ساعدت في ذلك الخطوات العربية المتلاحقة لمعاقبة تونس بعزلها سياسياً نتيجة أفكار زعيمها بورقيبة، أفكار اجتماعية وسياسية مرتبطة بحلول الصراع العربي الإسرائيلي، طرحها بورقيبة قبل أن يفكر بها العرب بنصف قرن.

ونتيجة للعزل العربي، انكفأت تونس على نفسها، فكان خير مكافأة، وعاد إليها العرب عام 1979 عندما قرروا معاقبة مصر على السلام. وجدوا في تونس ملاذاً للجامعة العربية، ومقراً لمنظمة فتح الفلسطينية عندما طردت من لبنان عام 1982، لأنها بلد محايد وغير خاضع للتجاذب الإقليمي.

هل في ذلك دفاع عن الإخوان؟ طبعاً لا. إنها محاولة بسيطة للتمييز وعدم وضع الجميع في قالب واحد، فإن حلّقت النهضة في معظم نشاطها الفكري والاجتماعي والديني في فضاء الإخوان، غير أن النظام التونسي حرمها السياسة الخارجية.