عشرون عاماً على معاهدة السلام الإسرائيلية -الأردنية: تقييم موجز

16:05

2014-10-31

الشروق العربي

في 26 تشرين الأول/أكتوبر، تُصادف الذكرى السنوية العشرين لمعاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية. وقبل توقيع المعاهدة في وادي عربة عام 1994، لم يكن أي من البلدين قد خاض أي حرب ضدّ الآخر منذ عام 1967، وكان الاتصال ما بين قادتهما روتينياً منذ أربعينيات القرن الماضي. ولكن مع ذلك، قامت المعاهدة على أكثر بكثير من مجرد إضفاء طابع رسمي على وقف إطلاق النار الفعلي، إذ غيّرت من طبيعة العلاقة الإسرائيلية -الأردنية بشكل جذري، بتعزيزها الأمن والاستقرار، ومصالح الولايات المتحدة في منطقة مضطربة.

وبالنسبة إلى إسرائيل، كانت هذه المعاهدة هي الثانية التي توقعها مع إحدى الدول العربية المجاورة لها وساعدت في تأمين حدودها الشرقية الطويلة. وأتت هذه المعاهدة بعد فترة ليست ببعيدة عن تاريخ توقيع اتفاقيات أوسلو مع الفلسطينيين، وبالتالي طرحت إمكانية إقامة علاقات جديدة أيضاً مع دول عربية أخرى. أما بالنسبة إلى الأردن، فسهّلت هذه الاتفاقية عملية إعادة توجيه البلاد بعيداً عن المعسكر المتطرف المؤيد للرئيس العراقي السابق صدام حسين، وأتاحت ظهور مصادر جديدة للمساعدات الاقتصادية والعسكرية من الغرب التي كان الأردن بحاجة ماسة إليها. كذلك، عززت المعاهدة من موقع المملكة الأردنية على قائمة دول الشرق الأوسط الموالية للغرب. واليوم، إن العلاقة الاستراتيجية مع عمان هي الأقرب التي تربط واشنطن بشريك عربي.

التقدم الاقتصادي والاستراتيجي

في حين احتفل المدنيون والسياسيون الإسرائيليون بالمعاهدة على حد سواء، إلا أنها لم تحظَ بالشعبية في أوساط الجمهور الأردني. ففي استطلاع للرأي أُجري عام 2011، اعتبر 52 بالمائة من الأردنيين أنه يتوجب على حكومتهم إلغاء المعاهدة. وبالطبع، قد تكون بعض هذه المشاعر مجرد وسيلة خالية من العواقب للمواطنين العاديين لانتقاد الحكم الملكي الواثق من أن السلام مع إسرائيل أمر مقدس. وعلى أي حال، على الرغم من الدعم الشعبي المتردد للعلاقات الثنائية الوثيقة، إلا أن البلدين أحرزا بعض التقدم على صعيد التعاون الاقتصادي.

وقد حفّزت واشنطن في البداية هذا التقدم من خلال إنشاء "المناطق الصناعية المؤهلة" التي أسسها الكونغرس الأمريكي عام 1996. وتسمح هذه "المناطق" للسلع المنتجة في الأردن بدخول المنطقة الحرة في إسرائيل طالما تشمل نسبة معينة من المحتويات الإسرائيلية أو القيمة المضافة. وعندما دخلت اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والأردن حيز التنفيذ بين عامي 1996 و 2010، تم إنشاء ثلاث عشرة "منطقة صناعية مؤهلة"، مما وفّر فرص عمل لعشرات الآلاف من الأردنيين. وفي وقت يعود إلى أوائل عام 2002، كانت منتجات "المناطق الصناعية المؤهلة" تمثل 90 بالمائة من الصادرات الأردنية إلى الولايات المتحدة.

أما السياحة، فقد شكلت إحدى النواحي الأخرى الناجحة نسبياً في هذا الإطار. فقد أفادت التقارير أن 218 ألف إسرائيلي زاروا الأردن في العام الماضي في حين سافر ما يزيد قليلاً على 18 ألف أردني إلى إسرائيل. وهناك أربع وعشرين رحلة أسبوعية تربط بين مطارات بن غوريون وسدي دوف والملكة علياء لتوفير الخدمة واستيعاب السياح.

ومع ذلك، كان نطاق التجارة الثنائية محدوداً للغاية بشكل عام. فوفقاً لـ "المكتب المركزي للإحصاء" في إسرائيل، بلغ إجمالي الواردات والصادرات بين البلدين 365 مليون دولار فقط في عام 2013. ويجدر بالذكر أن أبرز التطورات الكبيرة في العلاقات الاقتصادية حصلت فقط في الشهر الماضي. ففي 3 أيلول/سبتمبر وقّعت إسرائيل "رسالة نوايا غير ملزمة" لتزويد الأردن بالغاز الطبيعي من حقل "ليڤياثان" البحري التابع لها. وأفادت التقارير أن قيمة الصفقة التي أمدها خمسة عشر عاماً، والتي تتطلب بناء خط أنابيب جديد، تبلغ 15 مليار دولار أمريكي. يُشار إلى أن هذه الرسالة أتت بعد اتفاق آخر تم الإعلان عنه في شباط/ فبراير ستقوم إسرائيل بموجبه بتزويد غاز بقيمة 500 مليون دولار أمريكي من حقل "تمار" البحري إلى منشأتين صناعيتين أردنيتين بالقرب من البحر الميت.

وبالإضافة إلى التجارة، أدت معاهدة السلام الأردنية -الإسرائيلية إلى قيام تعاون في مجموعة من المجالات ذات الأهمية الاستراتيجية، من بينها ندرة المياه. وبصرف النظر عن بعض حالات سوء الفهم، عملت الدولتان معاً باستمرار على توزيع المياه منذ عام 1994. وتوّج هذا التعاون بتوقيع اتفاقية تاريخية في كانون الأول/ ديسمبر الماضي تنص على أن إسرائيل ستقدم 8-13 مليار غالون من المياه العذبة من بحيرة طبريا سنوياً إلى العاصمة الأردنية، في حين سيقدم الأردن نفس كمية المياه المحلاة التي يتم ضخها من العقبة إلى منطقة صحراء النقب في إسرائيل.

أما العلاقة الممتازة التي نشأت على مستوى الدفاع وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين البلدين، فلم تحظَ بنفس القدر من الدعاية ولكنها تتسم بالأهمية نفسها. ففي حين لم يتم نشر الكثير بشكل موثوق حول هذا الموضوع، تعتبر مصادر الاستخبارات من كلا الجانبين أن نوعية مثل هذا التعاون وعمقه يشكلان أحد أكبر إنجازات المعاهدة.

زيادة المساعدات الأمريكية

إن توقيع المعاهدة قد فتح الباب على مصراعيه أمام المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية إلى الأردن. ففي عام 1993 لم تقدم واشنطن لعمّان سوى 35 مليون دولار أمريكي من المساعدات الاقتصادية؛ أما في عام 2014 فقد بلغت قيمة هذه المساعدات 700 مليون دولار. وبشكل مماثل، تلقّت الأردن 9 مليون دولار فقط من التمويل العسكري الأمريكي الخارجي في عام 1993، مقابل 300 مليون دولار هذا العام. ومن بين بعض مساعدات الدفاع الأكثر تكلفة التي قدمتها واشنطن على مدى السنوات الماضية نذكر ثماني وخمسين طائرة مقاتلة من طراز "إف-16"، ومرفق متطور لمكافحة الإرهاب المعروف باسم "مركز الملك عبد الله لتدريب القوات الخاصة"، الذي بناه "سلاح المهندسين" في الجيش الأمريكي ما بين عامي 2006 و2007.

ومع زيادة التمويل الأمريكي، ازداد التدريب المشترك وتبادل المعلومات الاستخباراتية. فعلى الصعيد العسكري، أصبحت تدريبات "الأسد المتأهب" المتعددة الأطراف تمارين سنوية. ووفقاً لأحد المسؤولين السابقين في "وكالة الاستخبارات المركزية" الأمريكية الذي نقلت صحيفة "لوس أنجلس تايمز" حديثه عام 2005، أصبحت الشراكة الاستخباراتية وثيقة جداً إلى درجة أنه كان لـ "الوكالة" كوادر فنية "مدمجة فعلياً" في مقر "دائرة المخابرات العامة الأردنية".

وبالإضافة إلى ما سبق، كان لاتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وهي من النتائج الثانوية الأكثر أهمية بالنسبة إلى الأردن، تأثير كبير على اقتصاد المملكة الضعيف تاريخياً منذ عام 2010. ففي العام الماضي، بلغ حجم التجارة بين الولايات المتحدة والأردن 3.3 مليار دولار، أي زيادة بعشرة أضعاف تقريباً عن عام 1994، إذ ارتفعت بأكثر من 30 بالمائة ما بين عامي 2009 و2013 فقط.

صعوبات بين الحين والآخر

على الرغم من أن العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والأردن كانت ممتازة عموماً منذ عام 1994، إلا أن المعاهدة مرت بشكل دوري ببعض الأوقات الصعبة. ففي عام 1997، قَتل جندي أردني مارق سبع طالبات إسرائيليات على الحدود. وفي وقت لاحق من ذلك العام، فشلت الاستخبارات الإسرائيلية في محاولتها اغتيال خالد مشعل زعيم حركة «حماس» في عمان. وعادت العلاقات لتتوتر مرة أخرى أثناء الجفاف الذي شهده صيف عام 1999، عندما انهارت المحادثات الثنائية حول المياه بشكل مؤقت قبل التوصل إلى حل وسط في نهاية المطاف.

وقد شكل "جبل الهيكل" نقطة أخرى للخلاف المستمر. فلطالما شكى المسؤولون الأردنيون، وبحق، من أن إسرائيل لم تحمِ حصة عمان الدينية في الأماكن المقدسة في القدس كما هو منصوص عليه في المادة 9 من معاهدة السلام. ففي أواخر التسعينيات، بدأت إسرائيل تسمح للسلطة الفلسطينية بأن تحل محل المسؤولين الدينيين الأردنيين في المدينة. وفي الآونة الأخيرة، أجرى الكنيست الإسرائيلي نقاشاً في شهر شباط/فبراير من هذا العام حول السماح بقيام صلاة يهودية على "جبل الهيكل"، مما دفع برئيس الوزراء الأردني إلى الدعوة إلى "مراجعة" المعاهدة. وفي آذار/مارس، وبعد مقتل قاضٍ أردني فلسطيني عند معبر حدودي إسرائيلي، طالب برلمانيون في عمان بأن تسحب الحكومة سفيرها، وهي ردة فعل روتينية تقريباً على المحن التي شهدتها الدولتان منذ عام 1994.

الخلاصة

اليوم، وبعد مرور عشرين عاماً، لا تزال اتفاقية السلام الإسرائيلية -الأردنية في وضع قوي. لكن كما هو الحال في المعاهدة المصرية -الإسرائيلية التي وقّعت عام 1978، فإن العلاقة "بين الشعبين" التي وعدت بها "معاهدة وادي عربة" على نطاق واسع لم تؤتِ ثمارها بعد. ويعود ذلك إلى حد كبير إلى أن نسبة كبيرة من الأردنيين لا يزالون يعارضون تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وهذه المعارضة الثابتة ذات الطابع الإسلامي قد جعلت من الصعب سياسياً على النظام الملكي المضي قدماً في مجموعة واسعة من المبادرات السياسية والاقتصادية. فإلى جانب إحباط مقترحات تقاسم المياه التي تعود بالنفع على الطرفين، يرفض هؤلاء المعارضون عملية شراء الغاز الإسرائيلي الوشيكة، وهي صفقة يمكن أن توفر للمملكة أمن الطاقة لعقود قادمة. وكما كان عليه الحال بالنسبة إلى صفقة المياه التي عُقدت في كانون الأول/ديسمبر الماضي، سيتم في النهاية توقيع صفقة الغاز، ولكن ستترتب عنها تكاليف سياسية باهظة بالنسبة للنظام الملكي.

وليس هناك شك أن بعض المشاعر المعادية لإسرائيل في الأردن هي ذات صلة بالواقع الذي يوجد فيه ما يقدر بـ 60 بالمائة من السكان من أصل فلسطيني. ولكن حتى إذا توصلت إسرائيل والفلسطينيين إلى تسوية خاصة بهما، من غير الواضح ما إذا كانت المواقف المحلية في الأردن ستتغير بشكل ملحوظ، حيث أن وجهات النظر السلبية السائدة تجاه إسرائيل ليست نتاج الصراع الإسرائيلي -الفلسطيني وحده.

وحتى علاقة العمل الوثيقة التي تربط عمان بالولايات المتحدة لا تلقى شعبية واسعة في الأردن على الرغم من سخاء واشنطن. ففي نيسان/إبريل 2013، وجّه سبعة وثمانين أردنياً من أصل عشائري، وهم من جماعة تُعتبر تقليدياً من أبرز مؤيدي النظام الملكي، رسالة مفتوحة إلى الملك عبد الله الثاني يعلنون فيها أن القوات الأمريكية المتمركزة في المملكة تشكل "هدفاً مشروعاً لجميع الأردنيين الشرفاء".

بيد أنه في حين لا يدعم السكان بشكل موحد المعاهدة، فإن القصر الملكي يدعمها وسيستمر الملك بتطوير العلاقات مع إسرائيل وواشنطن بتروي في السنوات المقبلة. وإن "التروي" هو المفتاح لتجنب رد الفعل الشعبي، إذ سيبقى الملك عازفاً عن الإعلان عن التعاون الاستراتيجي الوثيق المستمر مع إسرائيل. وفي الواقع، خلال اجتماع عُقد في 20 تشرين الأول/أكتوبر مع المشرعين الأردنيين، خفف الملك من نقده للتطرف الجهادي بمهاجمته بالقوة نفسها لما أسماه بـ "التطرف الصهيوني".

وفي النهاية لم تكن المعاهدة، حتى مع كل إنجازاتها، قادرة على تحقيق تحسّن كبير في الاقتصاد الأردني الذي لا يزال يشكل نقطة ضغف كبيرة بالنسبة إلى استقرار المملكة. وفي هذا الإطار، حقق تقارب عمان من الغرب واستعدادها لإجراء إصلاحات اقتصادية صعبة بعض الإنجازات الإيجابية، ولكن لا تزال الدولة تعاني من أزمة اقتصادية فعلية. ومع ذلك، فبعد مرور عقدين من الزمن، في وقت يستضيف فيه الأردن أكثر من مليون لاجئ سوري ويواصل الكفاح ضد انتشار تيار الجماعات القتالية الإسلامية، من الصعب تصور الحفاظ على مملكة معتدلة من دون الفوائد التي تعود بها عملية السلام مع إسرائيل.

 

ديفيد شينكر هو زميل أوفزين ومدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن.