تونس...الانتصار الثاني و..نحن

13:39

2014-10-30

حسن الكاشف

للمرة الثانية خلال سنوات قليلة تقدم تونس نموذجها الريادي لأشقائها العرب، فتونس كانت اول الربيع العربي، وها هي اول تداول سلمي للسلطة بالانتخابات...هنيئاً لشعب تونس الشقيق انتصاره الثاني، وانتصاره الريادي على البدائل التدميرية التي كانت تتربص به، وتتأهب للانقضاض عليه بالفوضى والصراع الداخلي الذي يفتح الابواب مشرعة امام الحرب الاهلية والتدخل الخارجي، او احتكار السلطة ورفض الاحتكام الى الديمقراطية وصندوق الاقتراع.
لم يخسر احد في تونس، فالجميع خرج دون خسارة ثقة الشعب، ولن يكون أي طرف قادراً على شطب الطرف الاخر او انكار حقه في الوجود وفي المعارضة السلمية،...لن يكون بمقدوره الاستفراد بالسلطة او اخضاع البلاد لبرنامج حزبي يغلب مصالح الحزب على مصالح واحتياجات البلاد والعباد.
في اول تداول سلمي للسلطة بالديمقراطية وصندوق الاقتراع خطت تونس خطوتها التأسيسية لديمقراطية مستقرة نأمل ان تكون راسخة ودائمة، فقد انتقل طرفا المعادلة من مواقع السلطة الى المعارضة، وهذا تأكيد لحاجة الطرفين وتنافسهما على كسب ثقة المواطن الذي سيظل سيداً وحكماً على جميع القوى والاحزاب وبرامجها وادائها.
تضمن تونس بهذا التداول السلمي الديمقراطي للسلطة استقراراً سياسياً، وتحصيناً من تخريب واطماع التدخل الخارجي، وقدرة على اغلاق ابواب تونس بوجه الاضطراب الدموي الذي يعصف ببعض جوارها العربي الذي احتكمت اطرافه الداخلية للسلاح الوفير الذي تركه النظام القديم في مخازنه ومعسكرات جيشه.
لم تتعرض المعارضة، التي فازت واصبحت الان هي السلطة الشرعية المنتخبة، لم تتعرض للقمع والقتل والمطاردة، وهذه قوة للسلطة التي تتحول الان الى المعارضة، فلا بديل للتعايش، لا بديل لحرية المواطن والاحزاب، لا بديل للاستقرار السياسي ورفض التدخل الخارجي او الاستقواء به..بامواله ونفوذه.
لماذا تتفوق احدث التجارب على اصحاب اطوال التجارب النضالية واعظمها تضحيات.. لماذا تتفوق علينا؟! وحدنا نتحمل المسؤولية الكاملة على ما نحن فيه من غياب الاستقرار السياسي، وعلى فشلنا وعجزنا على ارساء نظام سياسي يضمن الحرية والتعايش لكل الاطراف المتنافسة في ساحتنا التي يثقل كاهلها الاحتلال والاستيطان و...غياب الاستقرار وثقافة قبول الفلسطيني الاخر، والايمان بحريته وحقوقه شرط التزامه بواجباته كمواطن وكمعارض.
ما زالت ساحتنا الفلسطينية منتهكة بالتدخل والتأثير والمال الخارجي، ومازلنا غير قادرين على الحوار والاتفاق وتنفيذ ما اتفقنا عليه دون ضرورة لتدخل ومشاركة اشقاء اثقلنا عليهم، مع انهم مثقلون بهموم ومسؤوليات داخلية، وعدم اتفاقنا يشهد علينا بالعجز وعدم النضج مع اننا اصحاب التجارب الطويلة باهظة الثمن من دمنا.
وحدنا نتحمل المسؤولية، وحدنا نشهر عجزنا عن نحت الصيغة الانسب لعلاقاتنا الوطنية، وحدنا، مع اننا الاشد احتياجاً، مازلنا نراوح في خانة لم نغادر فيها بعد دائرة الانقسام.. لم نصل بعد الى حالة الوحدة.
هو، عقم البرامج، وهو واقع مثقل بالأزمات...واقع ينادي بضرورة ملحة لتغيير، او لتجديد البنى والرؤى، وعندما تكون برامج الحكم خاضعة لرغبات سيطرة الحزب وتمكينه متجاهلة حاجات الوطن والمواطن...عندها يكون انفصال وانعزال الحزب عن جماهير الشعب.
كل ذرائع التأخير والتلكؤ في نهاية حقيقية للانقسام لا تقنع مواطناً واحداً، بل لم يعد مواطن واحد قادر على الاستمرار في الاستماع اليها وهو غارق في هموم البطالة ومواجهة حروب الاحتلال على غزة، وانتهاكات الاحتلال للمقدسات، واقترابه من فرض تقسيم زماني ومكاني للأقصى، وهو غارق في مواجهة الاستيطان والقمع والقتل و....
يرقد شهداؤنا الذي اغتالهم او قتلهم الاحتلال جنباً الى جنب في مقابرنا، يكفي ان نزور قبورهم حتى يتفجر غضبنا على الاحياء، الذين لم يستشهدوا بعد، لانهم لا يجدون الصيغة للسير جنباً الى جنب في استقرار سياسي يضمن تداولاً للسلطة بالديمقراطية دون استقواء بسلاح، كما يضمن مواجهة موحدة للاحتلال.
تونس تنتصر، ومازلنا دون قدرة او رغبة في اجتياز امتحان الجدارة بحمل امانة ارث تضحيات اجيال وعدم هدرها...