قصة مذكرات الفريق الشاذلى (3)

11:51

2014-10-29

أحمد المسلماني

كان الفريق الشاذلى يحب «السادات» وينتقد أحمد إسماعيل ويُقدّر «الجمسى» و«أبوغزالة»، لكنه كان متأثراً من المشير طنطاوى الذى لم يقُم بزيارته، ورافضاً للكاتب محمد حسنين هيكل الذى كان يشك فى حساباته.. ومرة قال لى: لم أسمح لـ«هيكل» بدخول الجبهة، وطلبتُ التعامل معه بحذر.. وخلافاً للفريق فوزى يقطع الفريق الشاذلى أن خطة حرب أكتوبر تم وضعها بالكامل فى عهد «السادات» وليس فى عهد «عبدالناصر».

(1)

كان الفريق الشاذلى مُحباً للرئيس السادات، وكان لديه إعجاب بشخصيته وقيادته للبلاد.. قال لى: «كان لدّى ولاء تام للسادات، وكنت مقدِّراً لاختياره لى فى رئاسة الأركان، وكنتُ مدركاً تماماً لما يملك من ذكاء ودهاء حادّ».

كان «الشاذلى» يعتقد أن تمسكه برأيه فى أزمة «الثغرة» أثناء الحرب سيؤدى إلى تغيّر رأى «السادات»، لكنه فوجئ بأن ذلك لم يحدث.

أخَذَ «الشاذلى» ذلك الرفض على كرامته وهيبته.. كان يرى أنه الجنرال ذو التاريخ العسكرى الباهر، ونجم العسكرية المصرية قبل سنوات طويلة فى أوغندا، وبعدها فى البحر الأحمر وسيناء.. ثم إنه لم يهزم فى أى حرب من 1948 إلى 1973.. فقد كان فى المجموعة التى سيطرت على مواقع مهمة داخل فلسطين فى حرب 1948، وكان قائد المجموعة التى توغلت خمسة كيلومترات داخل إسرائيل فى حرب 1967.. ولأنه كذلك، رأى «الشاذلى» أن رأيه العسكرى هو الأحقّ بالاتبّاع.. وليس رأى «السادات» ذى التاريخ العسكرى المحدود.

(2)

وروى قادة عسكريون أن الفريق الشاذلى لم يستجب لتحذير «الدفاع الجوى» بشأن الثغرة.. وأن عدم تعامله الجاد مع رؤية قوات الدفاع الجوى وتحذيراتها كان سبباً فى تدهور الوضع.

كما أن رؤية «الشاذلى» بالعبور العكسى للقناة من الغرب إلى الشرق.. كان سيؤدى إلى كارثة كبيرة لا يمكن تخيل حجمها. لكن الفريق الشاذلى لا يقرّ بأى من أخطائه.. وهذه عادة ثابتة لدى كبار قادة الحروب على مرّ التاريخ.

(3)

كان خطأ «الشاذلى» أنه توقف عند التاريخ العسكرى المحدود لـ«السادات»، ولم ينظر إلى التاريخ السياسى الحافل.. كما أنه لم يقدر أن «السادات» باختياره قادة حرب أكتوبر أكدّ بذلك امتلاكه رؤية قوية لإدارة الحرب.. وبأىّ الرجال.

كان «السادات» بطلاً فى اتخاذه قرار الحرب، ووطنياً فى اختياره لقادة الحرب، ومخلصاً فى ترك الأمور العسكرية فى أيدى أبطال الجيش. كان ذلك كافياً لأن يثق «الشاذلى» فى «السادات»، ولكن ثقة «الشاذلى» القوية فى ذاته عطلّت الثقة الأولى.. وهنا جاء الخلاف.. مَنْ يملك القرار؟

(4)

لم يفكر الجنرال الوطنى فى أن يتجاوز فى حق القيادة السياسية.. والتزم رؤية «السادات». ولمّا سألته: هل جال بخاطرك فى لحظات تلك الأزمة العصيبة أن تنقلب على «السادات»؟ قال «الشاذلى»: «لم أفكر أبداً فى ذلك، نحن فى حرب مع عدو، وهناك قواعد للوطنية وقواعد للأخلاق.. والتفكير الانقلابى ونحن على الجبهة خيانة للأمانة وكارثة على الوطن».

كان «الشاذلى» غاضباً لكنه لم يتجاوز حدود الغضب، كما أن «السادات» لم يقرر على أثر الخلاف أن يطيح بـ«الشاذلى» تماماً من الحياة العامة.. بل كان يفكر فى أكثر من منصب يتولاه الجنرال الغاضب. قال لى الفريق الشاذلى: «أرسل الرئيس السادات لى اللواء حسنى مبارك لإقناعى بالسفر إلى لندن سفيراً لمصر لدى بريطانيا.. قال لى مبارك: إن هناك أموراً عسكرية لا يمكن لغيرى إنجازها.. ولذلك اختارنى السادات لهذه المهام.. كنت جافاً مع مُوفد السادات اللواء مبارك.. لكننى فى النهاية قبلت وغادرت القاهرة سفيراً فى لندن».

(5)

فى لندن.. مضت الأمور بعض الوقت، ثم كان صدور كتاب الرئيس السادات «البحث عن الذات».. وكان اعتراض «الشاذلى» على بعضٍ مما جاء فيه.. وهاجم «الشاذلى» السادات، وكانت الأزمة أكبر من أن تمرّ.

توقع الجميع أن يعصف «السادات» بـ«الشاذلى» تماماً.. لكن ذلك لم يحدث، قام «السادات» بنقل «الشاذلى» من لندن إلى منصب جديد.. سفيراً لمصر لدى البرتغال.. وكان ذلك أقصى عقاب بعد الأزمة اللندنية.

كان «الشاذلى» -فى تقديرى- جريئاً وصادقاً فى خلافه مع «السادات» فى رواية بعض تفاصيل الحرب.. وقد أكد بذلك أن الجنرالات الكبار لا يمكن كسر تاريخهم مهما كانت مصادر الكسر ومهما كانت نتائج التحدّى.

قال «الشاذلى» كلمته فى جسارة نادرة فى مواجهة الرئيس، ثم غادر إلى البرتغال.. وهناك عمل بدأب.. وتعامل فى لشبونة كأنه سيبقى فيها لسنوات.. إلى أن كان الصدام، بعد انفلات الغضب.. وأصبح «الشاذلى» معادياً لـ«السادات» من عواصم متعددة.

(6)

أشار لى الفريق الشاذلى أكثر من مرة إلى وجود دسائس فى القصر، وأن بعض رجال «السادات» كانوا يكيدون لـ«الشاذلى» عند الرئيس. والأغلب أن ذلك صحيح، وأن من طبائع السلطة صراع الرجال والأدوار، وربما لو لم يوجد أولئك الوشاة.. لكانت العلاقة قد ذهبت إلى الأفضل، ولربما عاد «الشاذلى» نائباً لـ«السادات» ولتغير مسار التاريخ.

(7)

لم يكن الفريق الشاذلى منصفاً مع المشير أحمد إسماعيل، ولم يكن يمنحه الوزن الكافى.. كان يختزل دوره فى مجرد إحداث التوازن داخل الجيش بين القيادة العامة ورئاسة الأركان.. بحكم الصراع السابق بين «الشاذلى» و«إسماعيل».

لم يكن «الشاذلى» -أيضاً- يُقدر الكاتب محمد حسنين هيكل، بل كان يملك شكوكاً عميقة تجاه «هيكل» وحساباته.. ومرة قال لى: «لم أسمح له بدخول الجبهة وطلبت التعامل معه بحذر».

وربما يفسر هذا الموقف من «الشاذلى» تجاه «هيكل».. موقف «هيكل» بالمقابل. حيث تجاوز «هيكل» فى معظم كتاباته دور الفريق الشاذلى لصالح المشير الجمسى.. كما أنه لم يشارك نهائياً فى صياغة حالة «البطولة» التى حازها الفريق الشاذلى لدى الشعب.

(8)

كان «الشاذلى» يحترم المشير الجمسى ويراه واحداً من كبار القادة العسكريين.. كما أننى سمعت منه مديحاً وإطراء فى المشير أبوغزالة، وفى المذكرات استعان «الشاذلى» بآراء «أبوغزالة» فى صدد تقوية رؤيته وهو يشرح بعض ملابسات الحرب.

لكن «الشاذلى» كان غاضباً على المشير طنطاوى لأنه لم يقم بزيارته فى أىّ وقت.. كما أنه لم يتخذ ما يلزم إزاء «قطع رأس» الفريق الشاذلى فى اللوحة الجدارية الشهيرة فى حرب أكتوبر.. وهو ما جعل «الشاذلى» يرفع دعوى قضائية وينجح فى كسبها، و«يعيد رأسه» إلى البانوراما من جديد.

( 9 )

سألت الفريق الشاذلى ذات يوم عن خطة حرب أكتوبر، وعن الذى وضعها، وهل كانت حقاً جاهزة فى زمن الرئيس عبدالناصر.. و«السادات» قام بتنفيذها؟

كانت إجابة الفريق الشاذلى قاطعة: لا توجد خطة فى عهد «عبدالناصر»، خطة حرب أكتوبر تم وضعها فى عهد «السادات».. وما يقوله رجال «عبدالناصر» عن وجود خطة كاملة تم وضعها فى عهد «عبدالناصر» ليس صحيحاً.. كانت هناك تصورات عامة لا ترقى أبداً إلى مستوى خطة.. لكن خطة الحرب تم وضعها بالكامل فى عهد «السادات».

(10)

كان الفريق الشاذلى قائداً نادراً.. وهو يقع فى مصاف كبار العسكريين فى العالم.. وسوف تفخر أجيال عديدة فى بلادنا بأن هذا القائد الفذّ كان واحداً منّا.. وقائداً لواحدة من أعظم حروبنا.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر.