ما يليق بتونس

12:54

2014-10-27

عدلي صادق

نجت تونس من الفوضى، واحتكم شعبها الى صناديق الاقتراع. ربما كان رسوخ مؤسسات الدولة والمجتمع، واتساع دائرة المجتمع الأهلي، هما خشبتا النجاة. فقد عرف التونسيون دستور الدولة الحديثة، في العام 1861 وكانوا سبّاقين عربياً وإسلامياً على هذا الصعيد، مثلما كانوا سباقين الى الثورة على وضعية إطاحة الدستور وحكم الفرد وبطانته. وقد سجلوا أسبقية أخرى، لم يظفر بمثلها تالياً أي شعب انتفض بعدهم. فعندما اندلعت ثورة الحرية والكرامة في 14 ديسمبر 2010 كانت المؤسسات القائمة مع المجتمع المدني قد اتخذت قرار التغيير، وهذه لا رادّ على الأرض لإرادتها، فاختصر الحاكم طريق الآلام ورحل، لأنه يعرف بئر البلاد وغطائه، ويعرف ماذا يخشى وكيف يفلت. وبعد انتصار الثورة في 14 يناير 2011 جاء المنفيون وهم من كل المشارب، ودحرجت الخلايا النائمة الحجارة عن قبورها وخرجت، فانتشت في البداية وتنططت، لكنها اصدمت بمجتمع تونس الأهلي وبإدمانه على الحياة في ظل مؤسسات الدولة وعناصر هيبتها وتنوع المجتمع. 
كان الشيخ راشد الغنوشي، مضطراً الى الاستهداء بتاريخ تونس وبتجارب أعلامها وبما مروا به من ضرورات وفاق وإخاء. والتونسيون عريقون وضليعون في السياسة والفكر، ولشروحات الدين والاجتهاد، عندهم، وُجهة محببة وآسرة. فقد توالى على البلاد، منذ القرن التاسع عشر، مصلحون مرموقون، أولهم الشيخ محمود قابادو، الأندلسي الأصل، الذي أصبح مفتياً للديار، قبل أن يغادر موقعه كمعلم في جامع الزيتونة. كان الشيخ قابادو، أحد الأفذاذ الذين ساندوا الدستور المدني الأول، ومعه الفقيه الإصلاح المجدد الشجاع الشيخ سالم بوحاجب، الذي أعجب به الشيخ محمد عبده واقتدى به. وكان الفقيهان صديقين لرجل الدولة وأحد بناتها وهو خير الدين التونسي، الشركسي المولود في القوقاز، الذي عدّ نفسه من بقايا المماليك ومن عائلة أباظة التي استقرت في مصر. ففي تونس كان الأخيار والألمعيون، يتفقون على رفع شأن بلادهم وعلى صون مصالحها. وقد ترك خير الدين للتونسيين، كتاب «أقوَم المسالك» الذي أفاض فيه في شرح رزايا وذمائم الاستبداد، على النحو الذي لم يدع بعده حتى الآن، زيادة لمستزيد. لقد كانت في الأوطان قامات عز نظيرها اليوم. فخير الدين، وهو التونسي من حيث الاستقرار لا من حيث الجذور، يقاوم الحكم ويرفض ممارسات وزير المالية ويمنع استدانة الدولة من المرابين الأوروبيين ويستقيل. كان للدولة احترامها وللمصالح الوطنية علوّ شأنها في سلوك الرجال!
يطول الحديت عن بعض ما تختزنه تونس في ذاكرتها الجمعية وفي ثقافتها. في شريط أنباء العامين اللذين مضيا، قاوم التونسيون جميعاً خفافيش الظلام الذين يريدون إطاحة الدولة. ولأنهم قاوموا جميعاً، فإنهم يحصلون جميعاً على الحق في المنافسة النزيهة التي تظهر نتائجها عبر صناديق الاقتراع. هناك 1327 قائمة تمثل 120 حزباً في 33 دائرة انتخابية، وسيكون الفائزون بالمقاعد 217 والخاسرون يهمسون لأنفسهم حظ أفضل في المرات السابقة، ولكل مجتهد نصيب!
تحية لتونس ولشعبها الشقيق العزيز، وبورك مسعاها وليرحم الله شهداءها والديمومة لبهائها وبرتقالها وتراثها!