انتخابات تونس و"إعادة الاعتبار" للعلمانيين

13:12

2014-10-26

سمير سعداوي

يقبل التونسيون اليوم على الانتخابات الاشتراعية الثانية منذ سقوط نظام بن علي، تعزيزاً للديموقراطية في البلاد التي نجحت في إحلال وئام مقبول بين أطيافها السياسية وتجاوزت إشكالية التجاذب بين القوى التقليدية والعلمانيين وتيار الإسلام السياسي الذي صعد إلى الساحة بقوة نتيجة أحداث «الربيع العربي» في المنطقة.

كيلت الاتهامات إلى هذا التيار بـ»سرقة الثورات»، مصحوبة بتكهنات عن تواطؤ أميركي لتسليم أنظمة الحكم إلى «الإخوان» الذين يرى كثيرون أنهم امتلكوا قدرة السيطرة على الشارع لكنهم افتقدوا مشروعاً للحكم، ما عدا دعوتهم التقليدية إلى أن تكون «الشريعة مصدر التشريع» ومحاولاتهم تالياً، «تجريم» العلمنة.

حاول رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي آنذاك، خلال زيارته مصر وتونس في 2012، تسويق معادلة «الدولة العلمانية والفرد الملتزم»، انسجاماً مع واقع حزبه (الإسلامي) الحاكم في بلاده (العلمانية)، وذلك لتهدئة سجال لم يكن أصلاً في صلب اهتمامات «جمهور الربيع» الذي تنحصر تطلعاتها في تحسين واقعها الاجتماعي بما في ذلك تحقيق الأمن والاستقرار وتوفير فرص عمل ومكافحة غلاء المعيشة.

كان على حركة «النهضة»، النموذج التونسي للإسلام السياسي، ابتكار صيغة للتعايش إن لم يكن الوفاق، مع القوى المتربصة بهفواتها، وكان لا بد لها من تقديم تنازلات دفعت زعيم الحركة المخضرم راشد الغنوشي إلى التأكيد أكثر من مرة، وآخرها عشية الانتخابات هذه، أن حركته تنشد معالجة التحديات من خلال استعدادها لحكم ائتلافي مع خصومها العلمانيين، بل حتى مع رموز نظام بن علي.

تنازلات على وقع أزمة سياسية بلغت ذروتها العام الماضي، إثر اغتيال المعارضين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، فيما تصاعد استهداف المتطرفين لعناصر الجيش والشرطة، منذراً بفوضى عارمة في البلاد. دفعت «النهضة» ثمن الأزمة بتنازلها عن حكم «الترويكا» بقيادتها، لمصلحة حكومة تكنوقراط، وقبلت بـ»خريطة طريق» للمرحلة الانتقالية، بضغط من قوى المجتمع المدني بما فيها النقابات والمثقفون والنخب.

لكن التطور الأبرز الذي أرسى دعائم استقرار فريد في إحدى دول «الربيع»، هو توصل القوى السياسية في المجلس التأسيسي إلى دستور «توافقي» نص على أن «الإسلام دين الدولة»، وأن «تونس دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون»، وبذلك تم الالتفاف على مسألة «الشريعة» وبطريقة مغايرة تماماً لصيغة أردوغان.

وبتحميل الدولة مسؤولية الدين، باتت في عهدتها رعاية خطاب «وسطي» يقوم على نبذ المغالاة ويشجع إعمال العقل في البحث عن مقاصد التشريع ويستدعي اضطلاع السلطة بدورها في صناعة هذا الخطاب، بدءاً من المؤسسات التربوية وصولاً إلى دور العبادة، حيث النقطة الأهم هي إلزام الدولة دستورياً بإبعاد الخطاب الديني عن التوظيف والدعاية الحزبية، وهنا اكتفى العلمانيون بـ»فصل الدين عن السياسة» بديلاً لنظرية «فصل الدين عن الدولة».

لا بل بدا الغنوشي أكثر غلواً في الدفاع عن التعددية والمساواة التي أتاحها التوافق الدستوري، موجهاً خلال منتدى في واشنطن تحذيراً شديد اللهجة للمتطرفين، بقوله: «لا تظنوا أن الديموقراطية ضعيفة».

لم يفته التلميح إلى أن تنازلات الإسلاميين هي التي كانت وراء غياب مصطلح الشريعة من الدستور، ربما من باب الحكمة التي اعتبرها ابن رشد في ما مضى «صاحبة الشريعة، وصنوها». وبذلك لم يعد ذنب الإسلاميين في تونس إذا خاض العلمانيون الانتخابات مشتتين، فالتحدي يأتيهم اليوم من مكان آخر تماماً، من «رجال المال والأعمال» الطامحين للسياسة.