البعض يعتبر أوباما رئيسا فاشلا

14:18

2014-10-25

محمد المنشاوي

يعتقد 52% من الشعب الأمريكى أن الرئيس باراك أوباما فاشل مقابل 42% يرونه رئيسا ناجحا طبقا لاستطلاع رأى أجرته مؤخرا صحيفة واشنطن بوست بالتعاون مع محطة أى بى سى الإخبارية. ولم يقتصر الانقسام حول أوباما على الأمريكيين، فالمراقبون العرب للشئون الأمريكية ينقسمون أيضا حول أداء أوباما فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط. من ناحية يعتبره البعض (الأغلبية فى هذه الحالة) من أسوأ الرؤساء تناولا لقضايا المنطقة، فى الوقت الذى يراه القليل رئيسا جيدا تبنى سياسات واقعية، وعرف حدود قوة بلاده. أحد أسباب رؤية العرب لأوباما تتعلق بتجاهل سيناريوهات بدائل حكم أوباما. خلال فترة حكمه الأولى كان السيناتور الجمهورى جون ماكين، المعروف عنه الدعم الكامل لفكرة الحرب، وإرسال قوات أمريكية واستخدام القوة العسكرية فى أى مكان وزمان هو البديل. وخلال فترة حكمه الثانية كان البديل هو رجل الأعمال ميت رومنى الذى لا يختلف عن ماكين إلا قليلا. ولنا أن نتخيل كيف كان كلاهما سيتعامل مع أزمات المنطقة.

•••

جاء أوباما للحكم وبلاده لم تخرج بعد من تبعات أزمة مالية عصفت بقطاعات واسعة من الاقتصاد الأمريكى. وكان لنفقات الحربين فى العراق ومن قبلها أفغانستان، والتى تقدرها دراسة خرجت عن كلية كينيدى للدراسات السياسية بجامعة هارفارد بين أربعة وستة تريليون دولار أثار كبيرة على حسابات التدخل العسكرى المستقبلى.

ورغم صغر سن أوباما، إذ جاء للحكم ولم يتعد الخمسين عاما، إلا أنه كان مكبلا بعقدة حرب فيتنام التى لازمت كل الرؤساء الأمريكيين باستثناء جورج بوش الأبن الذى حركته خبرة 11 سبتمبر. وتظهر هذه العقدة فى التردد تجاه تورط أمريكا فى صراع مسلح، واستبعاد وجود قوات أمريكية برية فى صورة قوات احتلال على أراضى أجنبية، والاسراع بانسحاب القوات إذا ما فرضت ظروف معينة تواجدها.

من هنا لم يكن مفاجئا أن يطلق البعض وصف «مبدأ أوباما» Obama Doctrine على تصور الرئيس الأمريكى للعلاقات الدولية والذى استبعد معه استخدام القوة المسلحة إلا للضرورة القصوى التى تمثل تهديدا واضحا للأمن القومى الأمريكى. ويرى بعض المنظرين أن موقف أوباما من الحروب الأهلية فى سوريا، وتردده فى استخدام القوة المسلحة، ورؤيته لمستقبل التواجد العسكرى الأمريكى المحدود فى العراق وأفغانستان يظهره خطأ كرئيس متردد لا يدرك حدود القوة الأمريكية. كما كان لحماس أوباما لبدء مفاوضات جادة مع إيران بعد عقود من الجمود أن يراها البعض بمثابة تراجع أمريكى، وتكرر الدول الخليجية وإسرائيل أن استمرار المفاوضات بين إيران والمجموعة الدولية (5+1) هو انعكاس للضعف الأمريكى.

•••

وبعدما مثل الربيع العربى فرصة نادرة لأوباما ليظهر جانبا مثاليا قيميا فى الخطاب السياسى الأمريكى تجاه دعوات التغيير فى المنطقة العربية، شكلت نفس تداعيات الربيع العربى الردة الأوضح فى اتجاه العودة للواقعية الأمريكية التقليدية. ومثلت الحالة المصرية نموذجا صارخا على خضوع الادارة الأمريكية لحسابات الواقع السياسى بعيدا عن أى مثاليات أو ادعاء تبنى قيم ومبادئ أخلاقية. فبعد الترحيب بإزاحة الرئيس حسنى مبارك عن سدة الحكم، رحبت الإدارة الأمريكية بنتائج أول انتخابات رئاسية حرة فى التاريخ المصرى، كما رحبت بعد ذلك بنتائج الانتخابات الرئاسية التى أتت بالرئيس عبدالفتاح السيسى للحكم رغم غياب أى منافسة حقيقية بعد استبعاد القوى الإسلامية من عملية التنافس السياسى المصرى. وهكذا احتكم أوباما للمصالح الأمريكية ولضمان أن لا تتأثر نتاج أى تغيير سياسى داخل مصر، وهذا يحسب له أمريكيا!

•••

يعتقد الكثيرون بوجود تراجع كبير فى دور ونفوذ الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط خلال السنوات القليلة الماضية. من ناحيته اختار أوباما أساليب غير مباشرة وغير مكلفة (غير قانونية وغير أخلاقية أيضا)، مثل توسعه فى استخدام أسلوب القتل بالطائرات بدون طيار drone فى عدد من الدول منها باكستان واليمن ومالى والصومال. كما اختار أوباما التدخل العسكرى المحدود فى حالة توافر غطاء دولى كما كان الحال فى عمليات قصف ليبيا قبل سقوط نظام العقيد معمر القذافى. وارتبط تصور أوباما لسياسات بلاده الخارجية تخفيضا كبيرا فى ميزانية وزارة الدفاع خلال سنوات حكمه الست والتى بدأت عند 666 مليار دولار عام 2009 لتصل خلال هذا العام إلى 615 مليار، كما انخفض عدد القوات الأمريكية بأكثر من 70 ألف جندى، من 1.56 مليون جندى ليصل إلى 1.49 مليون جندى فى ذات الفترة.

منذ أن ورثت واشنطن النفوذ البريطانى والفرنسى فى المنطقة عقب الحرب العالمية الثانية، لم تتمتع المصالح الأمريكية باستقرار كما هو الحال اليوم. ورغم أن أوباما يعد رئيسا فاشلا فى نظر النظم العربية لأنه لم يرسل أساطيل أمريكا وطائراتها لإسقاط الرئيس السورى بشار الأسد، أو للقضاء على تنظيم داعش أو كلاهما معا. إلا أن هذه الرؤية تتجاهل طبيعة فهم الرئيس الأمريكى لدور بلاده فى الشرق الأوسط. ويعتقد تركى الفيصل، مدير المخابرات السعودية الأسبق، أن العالم أصيب بخيبة أمل بسبب تشوش السياسة الخارجية الأمريكية خلال حكم أوباما. إلا البروفيسور ستيف والت من جامعة هارفارد يرى أن لواشنطن ثلاث مصالح مهمة فى الشرق الأوسط اليوم، وهى استمرار تدفق النفط للأسواق العالمية، وتقليل مخاطر الإرهاب الذى يستهدف المصالح الأمريكية، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل. ويؤمن الأكاديمى الأمريكى البارز أن مصالح واشنطن لا تتعرض حاليا لأى تهديدات حقيقية.

أوباما ليس فاشلا فى إدارة سياسات بلاده فى الشرق الأوسط، فقط تغيرت طبيعة القوة والنفوذ. وللأسف لا يريد العرب لأنفسهم أن يسيطروا على مقدراتهم ومصائرهم، واختاروا أن يعطوا مفتاح حاضرهم ومستقبلهم لواشنطن. ولا يجب أن يلوم أحد أوباما على طريقة رؤيته لمصالح بلاده وعدم اكتراثه بمصالح بعض النظم العربية الحاكمة.