الشهيد سيف غباش حمل رسالة الإمارات إلى العالم وعبّر عنها بكفاءة

05:04

2014-10-25

الشروق العربي - تحل اليوم 25 أكتوبر/ تشرين الأول الذكرى 37 لاستشهاد سيف سعيد غباش أول وزير دولة للشؤون الخارجية، وهو واحد من أبناء الوطن المخلصين الذين كان لهم أثر بالغ في إثراء مسيرة الوطن والذود عنه .

سيف غباش رجل دولة بامتياز، أمضى حياته في خدمة وطنه بنشاط وحب كبيرين، فحمل همّ رسالة الإمارات إلى الخارج، وبرع في إيصالها لمختلف أصقاع العالم، وعبّر عنها أتم تعبير بعد قيام الاتحاد، كما كان "رحمه الله" منتمياً إلى أمته العربية، مدافعاً عنها شغوفاً بقضاياها وهمومها، وظل كذلك في مختلف مراحل عمله كأول وزير دولة للشؤون الخارجية حتى لحظة استشهاده في 25 أكتوبر عام 1977 إثر تعرضه لرصاصة غادرة نالت منه أثناء مرافقته وزير الخارجية السوري عبدالحليم خدام إلى مطار أبوظبي، وفي طريقهما إلى قاعة الشرف، انطلقت رصاصات غادرة كانت تهدف إلى اغتيال خدام، لكنها أصابت الوزير غباش، حيث نقل إلى المستشفى وتوفي متأثراً بجروحه .
امتلك غباش، صفات قيادية أهلته إلى أن يقود دفة وزارته بكل اقتدار فهو يجيد ست لغات، أسهمت في أن يبرز بين بقية وزراء الخارجية في إدارة التفاوض والحوار مع وزراء خارجية بريطانيا وروسيا وألمانيا وإيطاليا وغيرهم من دون حاجة إلى مترجم .
ولد سيف سعيد بن غباش المري في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 1932 في حي المعيريض بإمارة رأس الخيمة، وتوفي والده سعيد بن غباش بن مصبح بن أحمد بن زايد بن صقر بن أحمد المري، عندما كان في ال 12 من عمره، وتوفيت والدته بعد 3 أشهر من وفاة والده .
وعاش مع عمته في دبي لمدة 3 سنوات، حيث التحق بالمدرسة الأحمدية لفترة من الزمن، وكان يدرس اللغة الإنجليزية في مدارس ليلية، ثم تعلم عام 1946 على يد الشيخ أحمد بن حجر، النحو والبديع والبيان والفقه الإسلامي وعلم الفرائض .
وفي عام 1949 سافر إلى البحرين، طلباً للعلم والمعرفة، وعلى الرغم من التحاقه بالدراسة في المدرسة الابتدائية الشرقية في المنامة قبل الامتحان النهائي للسنة الرابعة الابتدائية بعدة أشهر فقط، إلا أنه نجح بتفوق وامتياز وكان ترتيبه الأول على جميع طلبة البحرين .
غادر البحرين إلى العراق بعد تخرجه في الثانوية العامة عام ،1953 ليدرس الهندسة في جامعة بغداد، حيث اجتاز السنتين الأولى والثانية بنجاح لافت، لكن الظروف السياسية التي أعقبت العدوان الثلاثي على مصر حالت دون إتمامه السنة الثالثة، فاضطر إلى مغادرة العراق عام 1956 متوجهاً إلى مصر، وهناك حصل على بعثة من المؤتمر الإسلامي، لكن كلية الهندسة لم تعترف بدراسته في بغداد .
بعد ذلك، توجه إلى الكويت، ليعمل بوظيفة مساعد مهندس في دائرة الأشغال الكويتية، وسط إصرار منه على متابعة القراءة والبحث العلمي إلى درجة تحولت فيها غرفته المتواضعة في أحد الأزقة الضيقة إلى محطة لزملائه المفكرين، يناقشون فيها أمور السياسة والثقافة والتاريخين العربي والعالمي .
ترك الكويت، واتجه إلى أوروبا عام 1959 وتحديداً إلى النمسا، فأقام في مدينة كراتس التابعة للعاصمة فيينا، وعكف على دراسة اللغة الألمانية بشغف واهتمام لينمي ذاكرته بروائع الأدب الألماني مثل الشاعر غوته، إلا أن الظروف المادية وغلاء المعيشة حالا دون التحاقه بالجامعة لمتابعة دراسة الهندسة، فقرر الانتقال إلى ألمانيا وتحديداً إلى مدينة ديسلدورف .
عمل مساعد مهندس في شركة إنشاءات ألمانية، مصراً على جمع ما يكفي من المال لمتابعة دراسته، وانتقل بعدها إلى سويسرا، متقدماً للعمل في شركة أخرى مساعد مهندس، فتمكن بذكائه وتفوقه من الحصول على الوظيفة .
زياراته المتعددة إلى إيطاليا أسهمت في إثراء ثقافته في حقل الآداب والفنون وفي حصوله على قدر لا بأس به من اللغة، وفي عام 1963 انتقل إلى العاصمة الفرنسية باريس، لإتمام دراسته الجامعية في الهندسة، حيث حاول الحصول على منحة دراسية إلا أن الظروف لم تساعده على ذلك، فحوّل جهوده نحو تعلم اللغة الفرنسية ودراسة الأدب والفلسفة قارئاً لكبار المفكرين والأدباء .
في عام 1969 بعد نحو 20 عاماً من الغربة والترحال، عاد سيف غباش إلى مسقط رأسه في رأس الخيمة، وهو مملوء بالحماسة للعمل في خدمة وطنه وتأمين مستقبل آمن لعائلته، حيث رزق تباعاً بأبنائه الثلاثة عدنان وعمر وسعيد .
التحق بوظيفة رئيس قسم الهندسة في بلدية رأس الخيمة، ولعب دوراً كبيراً في تخطيط المناطق الزراعية والسكنية، وأسهم في وضع الخرائط وتقسيم الأراضي وتنظيم ملكيتها ومساحتها، إضافة إلى مشاريع حماية الشواطئ وشبكة المواصلات الحديثة .

خدمة الوطن

رافق سيف غباش، المغفور له بإذن الله، الشيخ صقر بن محمد القاسمي، طيب الله ثراه، إلى بعض العواصم العربية والأجنبية بين عامي 1969 و،1970 وشارك ضمن وفد رأس الخيمة في محادثات الاتحاد التي سبقت انسحاب بريطانيا من المنطقة وإعلان استقلال دول الخليج .
وفي عام 1971 كان من أوائل الإماراتيين الذين هبّوا للدفاع عن أرضهم ووطنهم، حيث ذهب ضمن وفد من الإمارة إلى القاهرة لعرض قضية احتلال إيران الجزر الثلاث على مجلس جامعة الدول العربية، مدافعاً عن عروبة الجزر، ومطالباً بإنهاء الاحتلال الإيراني .

وزارة الخارجية

تولى في 2 ديسمبر/ كانون الأول 1971 منصب وكيل وزارة الخارجية، حيث عمل جاهداً على تنظيم الوزارة، وتجهيز العناصر الجيدة من شباب الإمارات لإرسالهم إلى سفارات الدولة في الخارج .
وقام بتنظيم الإدارات التابعة للوزارة، ومنها الشؤون السياسية والشؤون القنصلية والمالية والإدارية والسكرتارية، ساعياً إلى تربية جيل جديد من الدبلوماسيين عبر دعوتهم الدائمة إلى تحكيم العقل والابتعاد عن الانفعال والعواطف، وانتهاج الموضوعية في الحكم على الأحداث التي تمر بها البلدان العربية والأجنبية .
وفي 25 ديسمبر/كانون الأول 1973 شكلت وزارة اتحادية جديدة وعُيِّن أول وزير دولة للشؤون الخارجية، ليصبح المتحدث الرسمي باسم الإمارات في المحافل الدولية، محاولاً بكل جهده إيصال صوت الإمارات إلى العالم ودعوتها إلى صداقة الشعوب واستتباب العدالة والسلام .