مطلوب معارضة مصرية

05:22

2015-11-30

محمد أبوالفضل

لا أعلم هل متعمد أن تكون غالبية قوى المعارضة في الدول العربية، محل اتهام، وأخذ ورد، أم لا؟ وهل مقصود أن توضع معظم الشخصيات التي تمثلها في قفص العمالة والتآمر، أم أن المسألة غير محبوكة، ولم يرد أحد إقصاء هؤلاء عن المشهد السياسي؟

هذه عينة من مجموعة كبيرة من الأسئلة، تكاد تكون مكررة، وطرحت أمام عدد من قوى المعارضة العربية، في السودان والعراق وسوريا والسعودية ومصر، منها من ثبتت عليهم التوصيفات السابقة، ومنهم من ينتظر، وهناك قلة أصابها رذاذ الاتهامات، مع أنها تتسم بالوطنية والمسؤولية السياسية. بالطبع لا يخلو موقف الكثير من الحكومات العربية، من رغبة عارمة في قصف رقبة قوى المعارضة، والتخلص منها بضربة واحدة، بخيرها وشرها، اعتقادا أن غيابها يفضي إلى ارتياح الأنظمة الحاكمة.

في حين أن القليل من المعارضة قد يصلح الأمور، فهي قادرة على المساهمة في ضبط إيقاع الموازين المختلة في بعض الأنظمة، وبإمكانها وقف استمرار العصف بأي مؤشرات سياسية إيجابية، بل تردع أحيانا بعض الحكام من الإقدام على ممارسات سلبية، من نوعية الإمعان في تكديس السلطة والثروة.

ثمة أنماط مختلفة من المعارضة في الدول العربية، اختلط فيها الحابل بالنابل، ولا تعرف حقيقة انتماءاتها وولاءاتها السياسية، وهناك ما هو معلن منها، وما هو خفي، ومن يقيمون في الخارج والداخل، وتوجد تصنيفات متعددة للأطياف والألوان التي تتشكل منها.

وفي كل الأحوال، لا يوجد بلد له معارضون يعيشون بلا منغصات، وهذه سمة أساسية في جميع الدول، والفرق في المشهد بين الحالتين، أن الأولى لديها معارضة على قدر من الوعي والفهم، وفي معظمها تستخدم أدوات سلمية لتحقيق أهدافها.

بينما في الدول المتخلفة، والتي تقع في حزامها معظم الدول العربية، أصبح العنف والتحريض عليه، علامة جلية في تصرفات قطاع كبير من المعارضة فيها، ومن النادر أن تلجأ هذه إلى الوسائل المعروفة في الدول المتحضرة، ليس بسبب طبيعتنا (العربية) التي يغلب عليها العنف المادي والمعنوي فقط، لكن لأن الخيارات الأخرى ضيقة، فتحول منهج العنف إلى خيار محوري.

لا أقصد من هذه المقدمة الطويلة، الحديث عن صولات وجولات المعارضة العربية عموما، فهذا حديث يطول شرحه، فما يعنيني هنا الحالة المصرية الراهنة، والتي أصبحت بلا معارضة سلمية، وسط سباق محموم من الأحزاب والقوى السياسية للالتحاق بركب النظام الحاكم. وهو ما أفرزته الملامح الحالية للانتخابات البرلمانية، والتي انتهت جولتها الأولى، وأوشكت الجولة الثانية والأخيرة على الانقضاء، والنتيجة العامة تؤكد أن مصر تحولت إلى دولة بلا معارضة سياسية، داخل البرلمان وخارجه.

قد تكون هذه النتيجة مريحة للنظام الحاكم، وبددت أمامه حزمة من الشكوك والهواجس، الخاصة بعدم تحمل وجود معارضة تكتفي بالمناكفة، كما كان الحال في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، حيث امتلك الحزب الوطني الحاكم الأغلبية المطلقة في البرلمان، وأمسك بزمام الأمور خارجه، لكن المشهد السياسي، لم يكن خاليا من المعارضة السياسية، ورغم قلتها، كانت تصرفاتها تزعج النظام الحاكم في ذلك الوقت.

وكان الصياح والصراخ والعراك السياسي واحدا من عمليات التنفيس، التي أجادها نظام مبارك، واتخذت من الإعلام بابا للتعبير عنها، وبدت الصورة توحي كأن هناك معارضة سياسية لها أنياب وأظافر.

بصرف النظر عن دورها كديكور سياسي، فهي كانت أداة لتخفيف حدة الكبت الذي كان يعتمل في صدور المصريين، وبعيدا عن اعتبارها وسيلة لخداع الغرب، الذي يضخم من معايير حقوق الانسان والحريات والتعددية، في تقييمه للأنظمة التي يغضب منها، كانت أيضا تقدم صورة، حتى ولو خادعة، تشي بأن النظام لا يفرض قبضة حديدية شاملة على المواطنين.

المشكلة أن النظام الحالي في مصر، يكاد يكون بلا معارضة سياسية حقيقية، لكن لديه معارضة شرسة تتخذ من العنف سبيلا وحيدا للتعبير عن مواقفها، عكسته الجرائم التي قام بها معارضون وإرهابيون في أماكن مصرية متفرقة، ولديه خصوم سياسيين خامدين أو خاملين، يرفضون التعامل مع الأمر الواقع، فضلا عن فئة يمثلها أفراد تعبر عن آرائها ومواقفها في وسائل إعلام خارجية، أو مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

الشاهد أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، منذ توليه السلطة في يوليو 2014، لم يتضمن خطابه السياسي وعودا واضحة ومحددة في ما يتعلق بالمجال الديمقراطي، ولم يأت من قريب أو بعيد على ذكر رغبته في انعاش الحياة السياسية، وضخ دماء تدعم القوى السياسية وتشد من عودها، بالتالي يصعب أن نحمله مسؤولية الوضع البائس الذي تبدو عليه الأحزاب المصرية.

وكان الرجل متسقا مع نفسه في وعوده بخصوص الحفاظ على وحدة الدولة، وعودة الأمن والاستقرار إليها، وبالفعل حقق ما وعد به في هذا الفضاء، ولا يزال قادرا على مواجهة التحديات التي تهدد الدولة . هذا الكلام لا يرمي إلى عدم تحميله جانبا من مسؤولية ضعف القوى السياسية، لكن النقطة الأهم أن الأحزاب نفسها والشخصيات التي تتزعمها تتحمل الجانب الأكبر، لأنها ارتكنت أو استمرأت عملية تأييده، خشية كشف الغطاء عن تآكلها الشديد، وهي غير مدركة أن استمرار حالة الضعف، سوف تنكس سلبا على النظام الحاكم، ومؤيديه السياسيين.

ولأن هؤلاء من الصعوبة أن تتشكل منهم معارضة قوية، حتى لو تجرأوا، وتنصلوا من خطابات التأييد المعلنة، أصبح الأمر يقتضي فتح آفاق جديدة، وأبواب ونوافذ تشجع القوى السياسية والشبابية، والكثير من الشخصيات الوطنية، على التفاعل وممارسة دورها كمعارضة منظمة، وتتخلى عن فضيلة الانزواء أو المعارضة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

ومن المصلحة العامة، أن تكون هناك أصوات سياسية مختلفة، لأن الاستمرار في سماع صوت واحد لفترة طويلة، قد يصيب أي نظام حاكم بالصمم أو الغرور، وكلاهما يفضي إلى كارثة.