انتخاب فرنجية بين أبوّة وأبوّة مفقودة

04:55

2015-11-29

بيسان الشيخ

لم يعد سراً تداول اسم سليمان فرنجية لموقع رئاسة الجمهورية اللبنانية، وهو «الصديق الشخصي لآل الأسد» كما يفاخر بنفسه. بل بات الخبر المسرب منذ فترة بصفته مجرد طرح للتداول والتسوية و»جس النبض»، أقرب إلى واقع ملموس، رافقته حملات إعلامية تسوّق الرجل بصفته أفضل الحلول الممكنة لسد الشغور الرئاسي، والخروج من الفراغ الدستوري.

وليس فرنجية «أي رئيس» يحل المعضلة اللبنانـية كما تشتهي واشنطن، ويزيح البلد الصغـــير من دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي. فثمـــة أمور أكثر أهمية وإلحاحاً على بساط البحث ليس أقلها الحرب الطاحنة في سورية ومصير بشار الأسد، وتلك الدائرة في اليمن، وثالثـــة علـــى شفير الانفجار من جديد في العـــراق، وكلها تستنزف جهوداً ديبلوماسية دولية وموازنات هائلة، لا يشكل لبنان فيها أي أهمية ســـوى لجهة إبقائه مستقراً بما يكفي لاستيعاب الصدمات الارتدادية ومزيد من اللاجئين.

وإذا صدقت التوقعات التي ترجح خروج الأسد قريباً بعد فترة انتقالية برعاية روسية، يصبح البحث في مصير حزب الله واحداً من الأولويات الملحة في المنطقة. فهل سيقبل الحزب الذي يترجم الهزائم العسكرية انتصارات إلهية، إلى العودة لدور لبناني ضيق أم يعيد تحويل مسار الأمور نحو مزيد من الحروب الموضعية؟ تلك، مثلاً، معضلة أساسية يحلها وصول رئيس يضمن عودة حزب الله إلى لبنان ظافراً غانماً بغض النظر عن النتائج الفعلية على أرض المعركة. وإلى ذلك يكون صمام أمان له في مواجهة الطائفة السنية كون الرئيس قد جاء برعاية مباشرة من زعيم الأكثرية السنية، سعد الحريري.

وإذا ما هزم حزب الله في سورية، وخسر آخر أوراقه بخروج الأسد، يعود إلى الساحة الداخلية بـ «جائزة ترضية» سياسية، يؤمنها فرنجية ولا يؤمنها المرشح المزعوم للحزب ميشال عون. فقد بدا واضحاً أن ترشيح عون لم يكن جدياً ولا هو أكثر من فزاعة يستخدمها الحزب لعرقلة انتخاب رئيس. فالجنرال محرج لحلفائه قبل خصومه، عدا عن أنه متفلت من أي عقال قد يضبط تقلباته الفردية أو السياسية.

والحال أن تشكيلة وشيكة قد تأتي بفرنجية رئيساً للجمهورية والحريري رئيساً للحكومة (على أن يبقى نبيه بري رئيساً لمجلس النواب) تحمل مفارقة لافتة في إعادة إنتاج زعامات مهزومة ومتكسرة على النصال السورية.

فالزعامة «الوطنية» التي تكرست لسليمان فرنجية خلال الوجود السوري في لبنان، على اثر جريمة مقتل والده وحضانة شخصية ومباشرة من حافظ الأسد، عادت وتقلصت إلى حدود بلدته الشمالية زغرتا، في 2005، بعد اغتيال رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري. لا بل، أكثر من ذلك، رسب فرنجية نفسه في انتخابات ذلك العام، بعدما كان نائباً مكرساً ووزيراً في كافة الحكومات منذ اتفاق الطائف.

أما زعامة سعد الحريري، التي بدأت باغتيال والده، فهي بدورها شهدت خضات كبيرة جعلته بعد عشر سنوات «حاجة» سنية تمنح الطائفة وجهاً معتدلاً، وتلقى قبولاً إقليمياً، أكثر منه زعيماً فعلياً على الأرض.

وعليه، قد يوكل إلى الحريري الابن لعب الدور الذي لعبه والده سابقاً، في ضمان الاستقرار والاكتفاء بحيز من السلطة يتيح تسيير الأمور، ويحفظ في المقابل مصالح حلفاء سورية في لبنان.

وعليه، قد تكون نهاية العام 2015، وانتخاب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية بعد فراغ استمر أكثر من عام، مؤشراً على اقتراب حل سوري ما، وانفراج لبناني أيضاً. لكنها أيضاً تعني طي صفحة مهمة في تاريخ لبنان، لن يتسنى العودة إليها. فكما اعتبر وصول سليمان فرنجية الجد، إلى سدة الرئاسة في 1970 لحظة حاسمة في هزيمة الشهابية وما كانت تعنيه من بوادر بناء دولة ومؤسسات، فإن وصول «سليمان الصغير» إلى الموقع نفسه، يعني من جملة ما يعنيه، هزيمة مرة لكل إنجازات «ثورة الأرز» في 2005، وإطاحة كاملة للموقع الماروني الأول.

ذاك أن المارونية السياسية التي تجسدت بمواقف حادة لأبناء جبل لبنان، تجاه سورية، ونزعتهم الاستقلالية القوية عن أي ارتباط بها، ستذهب أدراج الرياح مع وصول المارونية الشمالية إلى سدة الحكم. وهي صفعة لن يملك أحد التصدي لها، ما لم يكن متهوراً تهور الجنرال عون. فلا «حزب الكتائب» ولا قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع، في موقع يسمح لهما بالاعتراض على رئيس «توافقي» مثل سليمان فرنجية، تحت طائلة تفجر الوضع الداخلي.

فلا ننســـى إن «سليمان الصغير» كما كان يدعى، هو الناجي الوحيد من إحدى أبشع المجـــازر التي أسست للحرب اللبنانية ولخصومة مديدة ودموية بين موارنة جبل لبنان وموارنة زغرتا، وهي جريمة ارتكبها كتائبيون بحق والده ووالدته وأخته الرضيعة وبعض المناصرين.

وهكذا، بين «يتيم ماروني» احتضنه الأسد الأب ورعاه، وآخر سني تسبب نظام الشبل في يتمه، ترتسم معالم الزعامات المقبلة في لبنان وتوضع الصيغ التوافقية التي تؤجل الانفجار من دون أن تنزع فتيله.