قادة التنظيم مطمئنون لأن الحرب البرية مستبعدة

إرهاب داعش: مشروع الدولة التي يصعب التخلص منها

12:41

2015-11-28

دبي-الشروق العربي-يعيش قادة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" منذ أشهر في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية في الرقة السورية، ويحرصون على إبقاء حركاتهم بعيدة عن الأنظار. وقال مراقبون إنهم على الأرجح أفلتوا من الضربات الجوية التي بدأها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة قبل 15 شهرًا.

وأكد شهود من سكان الرقة في اتصالات هاتفية أنهم رأوا العديد من مقاتلي داعش، الذين أُصيبوا في الضربات الجوية يُنقلون إلى المستشفى الرئيس في الرقة، الذي أُغلق بوجه المدنيين، من دون أن يكون بين هؤلاء المقاتلين أي قادة.

تتفق غالبية المحللين على أن الضربات الجوية، في أقصى الأحوال، أضعفت داعش، لكنها بكل تأكيد لم تلحق الهزيمة به، وأن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أعلن عقب اعتداءات باريس حربًا على داعش، من المستحيل تقريبًا خوضها ميدانيًا.

فلم تكد الطائرات الفرنسية تهبط بعد طلعاتها الحربية على مواقع داعش، حتى أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما رفضه أي شكل مباشر من أشكال الحرب ضد داعش. وقال إن إرسال قوات برية إلى سوريا والعراق خطأ. وصرح مستشار الأمن القومي الأميركي بن رودس لمجلة شبيغل الألمانية قائلًا: "إن ذلك ليس ممانعة ضد إرسال قوات برية فحسب، بل إيمان بأن هذه معالجة لا يمكن أن تُستدام".

سؤال ملحّ
في أعقاب اعتداءات باريس، أصبح السؤال المتمثل في ما هو السبيل الأنجع لمحاربة داعش أشد إلحاحًا اليوم منه في أي وقت مضى. لكن الإجابة عن السؤال تتطلب تكوين فكرة واضحة عن الاستراتيجيا التي ينفذها داعش. فالرأي القائل إن اعتداءات باريس وتفجيرات بيروت وأنقرة أفعال جماعة منهارة من المقاتلين اليائسين، لا ينسجم مع الموقف العسكري على الأرض، ولا مع واقع التنظيم نفسه. ومن المستبعد أن تكون الهجمات نُفذت الآن، لأن الفرصة لم تسنح للـ"جهاديين" إلا الآن.

فكل ما فعله داعش حتى الآن، سواء بسيطرته على مدن أو اجتياحه مناطق كاملة، لم يفعله إلا بعد تحضير دقيق، وبتوقيت يبدو فيه النجاح هو الاحتمال الأرجح. إن تنظيمًا قادرًا على دفع 23 شاحنة مدرعة بعد تفخيخها بالمتفجرات واستخدام المدفعية الثقيلة وغاز الخردل لتنفيذ هجوم على بلدتين سوريتين في أيلول (سبتمبر) الماضي، لا بد أن تكون لديه الوسائل العسكرية والمالية والخبرة لتنفيذ هجمات في أماكن أخرى.

كشفت المعلومات الاستخباراتية التي جُمعت بعد قتل قادة عسكريين في داعش أنه يهرِّب خلايا نائمة على امتداد فترة طويلة أو يجنّد أفرادها محليًا، ولا يقوم بتفعيلها إلا بعد أشهر. ومنذ فترة أقصاها عام 2013، تمكن داعش من اختراق قوات معادية له، بينها ميليشيات كردية. ويشير هذا منطقيًا إلى أنه ربما زرع خلايا متعددة في أوروبا، حيث تنتظر الضوء الأخضر للتحرك.

ويبدو أن التنظيم توصل الآن إلى قناعة بأن منافع الهجمات التي ينفذها في الغرب أكبر من تكاليفها، لا سيما أن أوروبا مكشوفة، لأسباب، منها نزوح أكثر من مليون لاجئ إليها وتزايد العداء للمهاجرين، والخوف مما يمكن أن يدسّه داعش بينهم، فضلًا عن اشتداد الاستقطاب السياسي في القارة. وهذا على وجه التحديد ما يريد الجهاديون استغلاله.

خطأ في التقدير
كانت النظرية السائدة قبل الاعتداءات الأخيرة أن داعش لا ينفذ هجمات إرهابية في الخارج، لأنه غير قادر على ذلك. كان هذا خطأ نابعًا من سوء فهم لدى خبراء في مكافحة الإرهاب وسياسيين وصحافيين، ظنوا أن داعش يحذو حذو تنظيم القاعدة في اعتقاده الخاطئ بأن الإرهاب بحد ذاته يؤدي إلى انهيار الأنظمة العربية وهزيمة الولايات المتحدة. لكن تفكير القاعدة أثبت خطأه كما أظهرت الحوادث.

من جهة أخرى، لم تكن لدى تنظيم القاعدة إستراتيجيا عسكرية للسيطرة على الأرض، ولا خطط لاحتلال مدن كاملة، أو أفكار لوضع اليد على مصادر دخل دائمة، مثل آبار النفط. على النقيض من ذلك، كانت استراتيجيا داعش تهدف من البداية إلى إقامة دولة.

وهذا الهدف جزء من طبيعة التنظيم. وحقيقة أنه امتنع عن تنفيذ هجمات كبيرة في الغرب إنما فهمت خطأ على أنها دليل ضعف. لكن داعش لم يفعل سوى قلب ترتيب الأولويات التي اعتمدها "الجهاديون" منذ فترة طويلة. وكان استهداف سلطة الدولة بالإرهاب باء بالفشل أولًا في مصر، ثم في العراق، حيث ولد داعش قبل زهاء عشر سنوات. وكان في الأصل مجموعة من المتطرفين العراقيين والأجانب، قبل أن ينضم إليهم ضباط من جيش صدام وأجهزته الأمنية.

تولى هؤلاء الصداميون، الذين تربوا على أساليب التجسس والتخريب وتصنيع العبوات قيادة التنظيم في عام 2010، وأدوا دورًا كبيرًا في تحويله إلى الوحش العسكري الماكر الذي نراه اليوم. ومنذ ذلك الحين، أثبتت الجماعة مرات متكررة قدرتها على التغيير والتكيف. وأصبحت مافيا مخيفة في مدينة الموصل في شمال العراق، حيث كانت كل الشركات والأسواق والمطاعم، بل حتى الصيدليات والمكاتب العقارية، تدفع لها إتاوات ابتزازية يجمعها عتاة التنظيم. وبحسب تقديرات الولايات المتحدة، كان داعش يجمع نحو 12 مليون دولار شهريًا في الموصل وحدها.

وحشية سافرة
حين انهارت سلطة الدولة في سوريا عام 2012 نتيجة الحرب الأهلية، وفّرت الحرب فرصة سانحة لتوسع داعش، سرًا في البداية، ثم بشكل وحشي سافر. كانت الخطط التي أعدها استراتيجي داعش حجي بكر، الذي قُتل عام 2014 في شمال سوريا، للسيطرة على البلد الممزق بالحرب، تجمع بين أساليب صدام حسين المجربة في القمع واستراتيجيا تنسيق الاستيلاء على السلطة باستخدام مجاميع صغيرة، لكن قوية من المقاتلين. وأثبت داعش قدرته على التكيف مع الوضع المتغير. وكان العقيد حجي بكر، الذي عمل سنوات طويلة في استخبارات صدام العسكرية، لوجستيًا بارعًا ومخططًا ماهرًا في عالم الإرهاب الأسود.

وبعدما كان حجي بكر يعمل في خدمة نظام قمعي علماني أصبح توسيع نفوذ داعش وسطوته باسم الجهاد مشروعه الجديد. وفيما كان داعش يبدو في الظاهر متزمتًا بفهمه الجامد للشريعة، ظل داخليًا يتحلى بمرونة أتاحت له التحول، ورفع شعار "البقاء والتمدد". وكان ذلك يعني الهجوم عندما يكون الهجوم ممكنًا، والسبات في الشتاء، إذا كان ذلك ضروريًا للعودة إلى الهجوم مجددًا.

وكانت الهجمات الإرهابية وسيلة واحدة من بين وسائل متعددة في هذه الاستراتيجيا، الهدف منها كشف ضعف المستهدفين بالهجمات والانتقام من الضربات الجوية الغربية، وتجنيد مزيد من الأنصار، وتأكيد دعاوى داعش بقدرته الكلية. لكن داعش بتحوله إلى دولة إنما يكشف أراضيه الإقليمية أيضًا للهجوم.

وفي مجموعتين من الملفات التي تركها مسؤولون في داعش لدى انسحابهم من إحدى المعارك في حلب في أوائل 2014، لم يكن هناك ما يشير إلى تحضيرات لتنفيذ هجمات في أوروبا أو الولايات المتحدة، لكن كانت هناك خطط لزرع خلايا نائمة من دون ذكر لما ينبغي أن يفعله المقاتلون الأوروبيون لدى عودتهم أو لتحويلات مالية. وتبين الملفات التي إطلعت عليها شبيغل أن طاقة داعش كانت تتركز وقتذاك على التمدد في سوريا والعراق.

خدمة مجانية 
ما هي إذًا الحسابات التي قادت داعش إلى قراره تنفيذ هجمات في الغرب؟. أولًا، أن ارتياب أوروبا من مسلميها واللاجئين إليها هو على وجه التحديد ما يريده داعش. وثانيًا، داعش سيطر على مناطق مأهولة، تمركزت فيها قياداته على نحو يجعل من الصعب شن هجوم بري ضدهم. مثل هذا الهجوم يتطلب قوات كبيرة واستعدادًا لتقديم خسائر فادحة بسبب حقول الألغام التي طوّق داعش بها معاقله ونيران القنص والدروع المفخخة بقيادة انتحاريين. ويُفهم من تصريحات المسؤولين الغربيين، لا سيما الأميركيين منهم، أن مخططي داعش يعرفون أن إرسال قوات برية غربية لشن مثل هذا الهجوم بمثل هذه الأخطار أمر مستبعد.

ولم يعد القول القديم إن عدو عدوي صديقي يصحّ على سوريا أو العراق. وهذا ما تؤكده العقبات التي اعترضت جهود الولايات المتحدة. فإن حليف أميركا الكردي في شمال سوريا هو عدو بنظر حليف أميركا التركي. وفي العراق، عدو داعش المتمثل في الميليشيات الشيعية، المدعومة من إيران، هو أيضًا عدو أميركا. وهذه الميليشيات بما ترتكبه من تجاوزات تدفع مزيدًا من ضحايا تجاوزاتها إلى أحضان داعش.

سياسة واقعية 
بالرغم من العوامل التي أسهمت في تخفيف الضغط على داعش، مثل إضفاء بعد طائفي على الصراع، وقصف تركيا لمواقع المقاتلين الكرد، فإن داعش أقر بتكبده بعض الخسائر في الفترة الأخيرة، ومنها فقدان السيطرة على قضاء سنجار بعد 15 شهرًا.

وفي منطقتين أُخريين، تمكن الكرد من قطع أهم طريق يربط بين أهم مدينتين يسيطر عليهما داعش، هما الرقة والموصل. كما دمرت الضربات الجوية 116 صهريجًا كان داعش يستخدمها لنقل النفط. وفي العراق يفقد داعش مواقع منذ هجومه الخاطف للسيطرة على مدينة الرمادي في غرب بغداد في منتصف أيار (مايو) الماضي. وفي سوريا توقف عمليًا تمدد داعش منذ نهاية الصيف.

لكن الطريق ما زال طويلًا قبل أن يصبح من الممكن الحديث عن بوادر انهيار دولة الخلافة الداعشية. وما يُطلق من كلام عن تحديد مواعيد وخوض معارك حاسمة إنما يخدم دعاية داعش. فإن مخططي داعش الاستراتيجيين يحسبون خطوات لاحقة عدة.

ولإلحاق الهزيمة بالتنظيم يتعيّن على الغرب أن يحسب كما يحسب داعش. وعليه، يجمع السوريون من مؤيدي بقاء الدولة السورية ومؤسساتها مع قوات المعارضة مشروع لا يمكن أن يُكتب له النجاح، ما دام بشار الأسد في الحكم، وما يزيد صعوبة نجاح التدخل الروسي المباشر. وفي العراق، يجب تحقيق مصالحة وطنية حقيقية وإنهاء انعدام الثقة بين السنة والشيعة، وهو هدف على العراقيين أنفسهم أن يحققوه، ربما بمساعدة من الغرب، وآخرين في المنطقة نفسها. باختصار، يجب إشاعة أجواء وتوفير ظروف بتعاون جميع اللاعبين الإقليميين الرئيسيين، بحيث يكون شن هجوم بري على معاقل داعش ممكنًا.

ما لم يتحقق ذلك، فإن العالم سيترك الوحش يكبر ويكبر، وهو وحش من الجائز أن يوقف حتى هجماته الإرهابية في الغرب، إذا سُمح له بمواصلة تمدده في الشرق الأوسط. فالإرهاب في التحليل الأخير ما هو عند داعش إلا وسيلة لتحقيق غاية.