الصين في مواجهة أميركا

13:59

2014-10-22

روجر كوهين

دعونا نتعامل مع الفكرة التالية باعتبارها حقيقة مؤكدة: إن النظام العالمي الذي ظهر بعد عام 1945 ولعبت فيه أميركا دور القوة المهيمنة قد بدأ في التفكك، وأن الصين في صعود مستمر نحو وراثة الكوكب، وأن الكثير من المصاعب التي نجابهها حاليا على صلة بهذه الفترة الانتقالية الصعبة، وأن الصراع المسلح هو عنصر طبيعي ملازم لفترات انتقال تاج الهيمنة من قوة عظمى لأخرى. ورغم خروج أميركا من الحرب العالمية الثانية قوة عظمى، فإنه بنهاية هذه الحرب كان العالم قد تحول لميدان فسيح يعج بالجثث.
ودعونا نفترض أيضا أن الجنس البشري تعلم من تاريخه، وهي فرضية بعيدة الاحتمال. إذن علينا العمل على الحيلولة دون اندلاع حريق آخر. إن ما يهم الآن أكثر من أي شيء آخر هو قدرة الولايات المتحدة والصين على تجنب الوقوع في سوء تفاهم مميت. والمؤكد أنه في ظل حالة من سوء الفهم المتبادل سيتفاقم تعارض المصالح.
بالنسبة لي، تجلى إلى أي مدى تبعد واشنطن وبكين عن تفهم بعضهما بعضا عندما أنصتُّ إلى جورج يو، وزير الخارجية السنغافوري السابق، حيث طرح رؤيته لواشنطن باعتبارها قوة «تبشيرية» على قناعة بأن واجبها هو إرشاد الأرض للحرية والديمقراطية. في المقابل، تمثل الصين قوة مناهضة للتبشير، وقد تولدت لديها قناعة من تجاربها المريرة مع الهيمنة الأجنبية بأن عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى هو صورة ضرورية من صور الاحترام. ويوضح يو أن توجه الصين القائم على الامتناع عن إصدار أحكام بخصوص الآخرين يعد انعكاسا لتاريخها، وإحدى صور النزاهة الأخلاقية. وعليه، فإن رؤية الغرب للسياسات الصينية باعتبارها نوعا من الاستئساد والسعي الفج وراء المكاسب التجارية خاطئة تماما.
من جانبي، أنا على ثقة بأن الرئيس الصيني تشي جينبينغ شعر ببعض الارتياح حيال رؤيته أميركا تسقط في شرك شرق أوسطي جديد. ومع ذلك، دفعني حديث يو للتفكير حول ما إذا كان يمكن للعقلية التبشيرية البدء في تفهم الرؤية العالمية غير التبشيرية، أو حتى مجرد قبول مثل هذا التصنيف، أم لا.
في الواقع، يحمل الأميركيون بداخلهم، حتى في اللحظات التي يعانون خلالها من ندوب الحرب ويغلب عليهم فيها الانكفاء على الذات مثل اللحظة الراهنة، قناعة راسخة بأن وطنهم هو منارة للإنسانية. 
في المقابل، نجد أن استثنائية الصين على نفس القدر من القوة، حيث ترى الصين نفسها كقوة فريدة في عدم سعيها للتوسع على حساب الآخرين، وهو ما يجعلها في تناغم مع مبادئها الكونفوشية الخيرة. وترى الصين أنها بذلك تقف على النقيض من الغرب المفترس. 
وحسبما أوضح لي جو ستدويل، صاحب كتاب «كيف تعمل آسيا»، فإن الصين وصلت لهذه الحالة الاستثنائية عبر إحياء فكر كونفوشيوس، وبناء معاهد معنية بفكره بمختلف أرجاء العالم. ويرى يوان كانغ وانغ، الأستاذ المساعد بجامعة ويسترن ميشيغان، في مقال له بدورية «فورين بوليسي»، أن هذا أدى لانتشار الاعتقاد بأن الصين التاريخية تمثل حضارة لامعة تنشر ثقافة السلام.
بيد أن الاستثنائية في جميع صورها ليست بالأمر اليسير، وللتأكد من ذلك ليس عليك سوى إخبار سكان التبت عن ثقافة حب السلام الصينية، أو الحديث إلى العراقيين عن التزام أميركا بالحرية. بيد أن التناقضات والأخطاء التي تقع في إطار أفكار ما لا تقضي عليها تماما، فما زلت أؤمن بالطبيعة العامة الخيرية للقوة الأميركية والنزوع الفطري للنفس البشرية نحو الحرية وارتباط أميركا الفريد بهذه الرغبة. أما الهجوم ضد الإنترنت، ومحاولة تطهير الفساد بينما الفساد نتيجة حتمية لحكم الحزب الواحد في الصين، فتبدو لي جميعها أمورا كاشفة للتناقضات الكامنة داخل «التناغم» و«السلام» في نظام صيني خلق رفاهية، لكنه يخنق باستمرار النقاش الحر الذي يحتاجه الأفراد الأكثر رفاهية.
من جهتهم، يرى الأوروبيون بعد تجربتهم المريرة في القرن العشرين أن جميع أنماط الاستثنائية خطر، التبشيري منها وغير التبشيري على حد سواء.
ولا أعتقد أن أيا من أميركا أو الصين سيفعل ذلك على مدار المستقبل المنظور، لذا تنبغي متابعة علاقتهما بتشاؤم حذر. 
* خدمة «نيويورك تايمز»