بين محاربة «داعش» والسكوت عن الداعشية

13:57

2014-10-22

خير الله خير الله

ليس بالقصف الجوي وحده يمكن القضاء على «داعش». استجاب عدد لا بأس به من الدول العربية لنداء الإدارة الأميركية من أجل المشاركة في الحرب على الإرهاب الداعشي. صارت هناك طائرات تابعة لعدد من الجيوش العربية تقصف مواقع لـ»داعش» في العراق وفي مناطق الحدود السورية ـ التركية حيث تقع بلدة كوباني الكردية السورية والتي اسمها العربي عين العرب.

يمكن للقصف أن يستمرّ طوال اشهر، كما يمكن أن تسقط كوباني في يد الإرهاب والإرهابيين قريبا. ولكن، عاجلا أم آجلا، سيعود السؤال المطروح كيف يستأصال «داعش»؟ هل الإرهاب في المنطقة داعشي فقط أم أنّ هناك من يمارس ارهاب «داعش» ولكن من دون قطع الرؤوس والإعلان عن ذلك؟

ما أقدمت عليه الدول العربية المشاركة في العمليات العسكرية، إلى جانب الأميركيين والأوروبيين والكنديين والأستراليين خطوة شجاعة تساهم إلى حدّ كبير في توضيح الأمور، في حال كان هناك في واشنطن من يريد بالفعل أن تكون الأمور واضحة وأن يلعب الدور المطلوب من أجل القضاء على «داعش» والدواعش.

من يستمع الى كلام صدر قبل أيّام عن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل يتيقّن من أنّ الحرب على «داعش» لا يمكن ان تكون مجرّد قصف جوي على مواقع للتنظيم في الأراضي العراقية والسورية. نعم، هناك بلدة كوباني السورية التي تعاني من وحشية «داعش». قبلها عانت قرى وبلدات ومدن أخرى من هذه الوحشية، أكان ذلك في سورية أو العراق. لكنّ «داعش» ما كانت لتنمو وتتمدّد لولا السياسة الأميركية التي تجاهلت وجود «قوات احتلال» ايرانية في سورية، على تعبير وزير الخارجية السعودي في اثناء مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية الألماني فرانك ـ فالتر شتاينماير.

مثل هذه القوات الإيرانية في سورية، ليست ايرانية فقط، إذ هناك ميليشيات مذهبية لبنانية وعراقية تساعد النظام في عملية ذبح شعبه ايضا. هذه الميليشيات ما كانت لتحضر في سورية لولا السياسة التي تمارسها ايران والتي تصبّ في المحافظة على النظام السوري وتوفير الدعم له بأيّ ثمن كان، وذلك من منطلق مذهبي. والثمن يدفعه للأسف الشديد المقاتلون اللبنانيون والعراقيون الذين قبلوا الانضمام إلى عملية لا تصبّ في نهاية المطاف سوى في توفير الغطاء لسياسة توسّعية تعتمد على إثارة الغرائز المذهبية في كلّ بلد عربي. الترجمة الوحيدة لسياسة من هذا النوع ضرب النسيج الاجتماعي في البلدان العربية حيث تنوّع طائفي ومذهبي وعرقي.

بدت إدارة أوباما أكثر من متواطئة مع هذه السياسة الإيرانية التي وفّرت حاضنة لـ»داعش» وما شابهه من تنظيمات متوحّشة باتت تهدّد ما بقي من تماسك في المجتمعات العربية في سورية والعراق وحتّى لبنان. لم يكن ممكنا انتشار «داعش» بالطريقة التي انتشر بها في العراق لولا ممارسات حكومة نوري المالكي التي كانت تابعة كلّيا لإيران، أقلّه منذ انتخابات السابع من مارس من العام 2010.

هذه الحكومة تشكّلت من دون وزير اصيل للدفاع أو للداخلية، بموجب تفاهم ايراني ـ اميركي. كانت تلك الحكومة التي تعاملت مع العراقيين من منطلق مذهبي بحت الفصل الأخير في عملية تسليم العراق لإيران من دون قيد أو شرط.

حصد الأميركيون ما زرعوه في العراق. حربهم الجوية لن تؤدي إلى النتائج المبتغاة، على الرغم من التخلص من نوري المالكي. فالواضح أن شيئا لم يتغيّر في العراق بتشكيل حكومة جديدة برئاسة حيدر العبادي. هذه الحكومة صار فيها وزير للداخلية ووزير آخر للدفاع. المخيف أنّ اختيار وزير للداخلية ذي خلفية ميليشيوية ومذهبية في الوقت ذاته، لا يشير إلى رغبة في التخلص من ذهنية معيّنة، خصوصا أن ايران أصرّت على شخص معيّن لتولي وزارة الداخلية. ولمّا لم تنجح في ذلك، عيّنت مساعدا له في هذا الموقع!

كيف يمكن لوزارة الداخلية أن تكون تابعة لإيران وأن يكون هناك وئام بين العراقيين؟ كيف يمكن أن تكون وزارة الداخلية العراقية، هذا من دون الحديث عن وزارة الدفاع، في امرة مجموعة تضع المصلحة المذهبية والمصالح الإيرانية فوق أيّ اعتبار آخر. أوليس هذا النوع من الممارسات الداعشية ما يخدم «داعش» ويجعلها تتمدّد؟ أوليس مفترضا في الإدارة الأميركية استيعاب هذه المعادلة؟

قبل سنة وشهرين، لم يكن هناك هذا الانتشار الواسع لـ»داعش». كانت هناك محاولات ايرانية وسورية لاستغلال هذا التنظيم في عملية تستهدف ضرب الثورة السورية. كان الهدف اظهار الشعب السوري وكأنّه مجموعة من «العصابات الإرهابية» وليس شعبا ثائرا يبحث عن كرامته. قبل سنة وشهرين، في اغسطس 2013، استخدم النظام السوري السلاح الكيميائي ضد شعبه بشكل واسع. ماذا فعلت الإدارة الأميركية؟ لم تفعل شيئا. استمعت إلى نصائح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واتفقت معه على نزع السلاح الكيميائي السوري. استعاض النظام عن السلاح الكيميائي بالبراميل المتفجّرة وكأن البراميل أكثر رحمة من السلاح الكيميائي!

سمحت الإدارة الأميركية للنظام السوري بتجاوز كلّ الخطوط الحمر. هذا كلّ ما في الأمر. لم يعد ممكنا أخذ سياسة باراك اوباما على محمل الجدّ، وذلك مهما ارتفع صوته، مبديا «قلقه العميق» ومحذرا مما تتعرّض له كوباني.

ما يمكن أن يعيد الاعتبار للسياسة الأميركية هو الاقتناع بأن ممارسات النظامين في إيران وسورية، هما الوجه الآخر لـ»داعش».

لا يمكن معالجة ظاهرة «داعش» من دون مقاربة شاملة تشمل أيضا تركيا التي قرّر رئيسها رجب طيب اردوغان، عن سابق تصوّر وتصميم، الاستخفاف بالسياسة الأميركية.

لا يمكن محاربة «داعش» وتجاهل السياسات الداعشية التي تصبّ في خدمة الإرهاب بكلّ انواعه واشكاله. أظهر العرب، على رأسهم المملكة العربية السعودية كلّ استعداد للذهاب إلى النهاية في الحرب على الإرهاب. الرسالة العربية واضحة ومختصرة في آن. فحوى الرسالة أنّ الحرب على «داعش» لا يمكن فصلها عن الممارسات التي تصبّ في خدمة الإرهاب.

الوجود الإيراني المباشر وغير المباشر في سورية، استثمار في الإرهاب وليس محاربة له. هذا ما حاول سعود الفيصل لفت نظر الأميركيين وغير الأميركيين إليه. هل في واشنطن من يريد أن يسمع قبل فوات الأوان...أم أنّ الهدف الحقيقي للإدارة الأميركية تفتيت المنطقة من منطلق مذهبي وطائفي بما يلتقي مع السياسات الإسرائيلية؟