الإرهاب يعيد المنطقة العربية إلى بؤرة الاهتمام الفرنسي

04:52

2015-11-21

باريس-الشروق العربي-كان للأحداث الدموية الأخيرة التي عاشت على وقعها العاصمة الفرنسية باريس جملة من التداعيات الإقليمية والاستراتيجية الكبرى طالت السياسة الخارجية الفرنسية، ولاسيما المتجهة نحو الدول العربية وتحديدا منطقة الشرق الأوسط. وقد تؤدي الضغوط المفروضة على الحكومات الأوروبية والفرنسية على وجه الخصوص إلى تبني أطروحات جديدة قد تتعارض مع الثوابت السياسية لهذا البلد.

السياسة الفرنسية في مفترق طرق

أصبحت السياسة الفرنسية الملتصقة تاريخيا بمنطقة الشرق الأوسط منفعلة وغير مؤثرة في تفاعلات الواقع في الآونة الأخيرة، مما يطرح السؤال حول محددات السياسة الفرنسية الحالية في الشرق الأوسط، خاصة، في ظل أفول نجم السياسة الفرنسية- العربية بعد حكم جاك شيراك والرئيس ساركوزي. لكن توجه صقور السياسة الفرنسية نحو اختيار التدخل العسكري المباشر في مارس 2011 في ليبيا، والدور الذي لعبته باريس داخل الحلف الأطلسي في الإطاحة بنظام القذافي، فضلا عن التدخل العسكري في مالي في يناير 2013 تحت يافطة مكافحة الإرهاب، وقيامها بضرب داعش في العراق بعد سقوط الموصل في سبتمبر 2014 ( أكثر من 300 ضربة)، ثم انخراطها في الضربات التي طالت تنظيم داعش في سوريا منذ سبتمبر 2015، ثم قرار فرنسا في النهاية الانضمام إلى التحالف الأميركي. لكن اللجوء إلى هذه السياسة الأميركية الصنع، والتي كانت تجمع بين الضربات الجوية والاغتيال المنظم الذي يفضله أوباما لم يحقق نجاحا يذكر في أفغانستان، وباكستان، واليمن، مما فسح المجال نحو أخطار مضاعفة في قلب فرنسا، وربما إدخال أوروبا في متاهات جديدة. ففي الوقت الذي تسعى فيه فرنسا وألمانيا إلى إقناع دول الاتحاد الأوروبي لاستقبال اللاجئين، يقوم مجلس النواب الأميركي بالتملص من مسؤوليته الأخلاقية، ويصوت ضد استقبال المهاجرين.


ثوابت السياسة الفرنسية

إجمالا، إن مبادئ السياسة الفرنسية – العربية التي أرساها الزعيم ديغول، واستمرت خطا عاما وقويا إلى غاية 2007 في عهد الرئيس ميتران وشيراك تقوم على جملة من مبادئ أهمها:

لا يمكن للسياسة الفرنسية أن تكتفي بالتفاعل أمام أحداث الشرق الأوسط وسياسات الآخرين، بل يجب أن تكون لها رؤية فكرية استباقية وآفاق واضحة.

ليس للسياسة الفرنسية من مصداقية إلا إذا حافظت على استقلاليتها، فهي من دون ذلك ستفقد أي مشروعية في نظر بلدان الشرق الأوسط والبلدان العربية.

لا تستطيع فرنسا أن تلعب دورا مؤثرا في المصالحة، أو أن تتقمص دور الوسيط المقبول بين جميع الفرقاء، إلا إذا كانت لسياستها نزاهة أخلاقية، ومعنى ذلك أن تتخلص من إشكاليات السياسة البرغماتية الظرفية، ومتغيرات العلاقات الدولية التي تحددها موازين الهيمنة والمصالح الآنية، بحيث تكون متواصلة مع قيمها التاريخية الأساسية.

وهذا يقود إلى سؤال: هل ما زالت السياسة الفرنسية محافظة على هذه المبادئ، أم أنها أخطأت أهدافها ووضوحها في آن واحد؟ وبالتالي أصبحت غير قادرة على فهم ما يجري في الشرق الأوسط، فالتحالف الستيني ضد داعش يراوح مكانه منذ أزيد من سنة ونصف، ولم يسفر عن أي نجاح ملحوظ، ولا يملك استراتيجية واضحة تجمع بين الوسائل والأهداف.

على مستوى التخطيط الاستراتيجي، جمعت فرنسا في سلة واحدة بين إسقاط الأسد والقضاء على داعش، لكن سقف الدعم الموجه نحو المعارضة الوطنية السورية، ظل عرضة للتقلبات الدولية والتجاذبات الإقليمية. فيما أن دعمها العسكري لتقوية قدرة المؤسسة العسكرية اللبنانية، تم بناء على رغبة عربية وبمساعدة مالية قوية من المملكة العربية السعودية، لكن على مستوى الجهود الدبلوماسية الساعية لتأمين البحث عن توافق لانتخاب رئيس الجمهورية، نلاحظ أنه لم يكن قط متواصلا، وظل دون المستوى المطلوب في مواجهة آليات التعطيل الإيرانية، حيث خضعت مواقف فرنسا في الأخير لتداعيات الملف النووي تناغما مع التوجهات الأميركية، دون أن تتزحزح إيران قيد أنملة في سياستها المضادة للمصالح الفرنسية في المنطقة.

كما أن سماء سيناء وبيروت وباريس تعرضت في ظرف أسبوعين لضربات متزامنة أسفرت عن أكثر من 400 قتيل، والمئات من الجرحى، فيما كانت أوروبا من ذي قبل مسرحا لأكبر نزوح للاجئين بعد الحرب العالمية الثانية، من هول ما يجري في الشرق الأوسط. ما يفرض الدفع قدما نحو تشكيل جبهة دولية تعمل على معالجة الأخطار القادمة من سرطان العصر، تجنبا لتكرار تجربة التدخل الأميركي في أفغانستان، وضرب القاعدة، ومن بعدها مقتل بن لادن، التي جعلتنا في مواجهة ولادة جديدة للعشرات من التنظيمات والشبكات الجهادية المتطرفة في كل أطراف الدنيا.

ولا شك، أن تنظيم الدولة الإسلامية تفوق على نموذج بن لادن في جميع المستويات، والأخطر من ذلك جاذبيته وقدرته على تجنيد العشرات من الشباب يوميا على الشبكة، كما أنه ما يزال يستفيد من تناقضات الشرق الأوسط الإقليمية، سواء على المسار التركي، والإيراني، والإسرائيلي، والعربي، حيث يعرف قادته جيدا الأهداف المتناقضة لأي طرف، فإيران تسعى لحماية حليفها العلوي في دمشق وميليشياتها تقتل سنَة العراق وسوريا، وهو ما يخدم داعش، بينما تركيا التي راهنت على إسقاط نظام الأسد، وإيصال الإخوان المسلمين وأتباعهم في سوريا إلى السلطة، صار كل همها اليوم العمل بكل ما بحوزتها لكي لا يخرج الأكراد أكثر قوة مما كانوا عليه في الأمد القريب، بينما يواجه النظام العربي متفرقا تحديات التنظيمات الإرهابية من جهة، وأطماع إيران في اليمن والبحرين ولبنان من جهة أخرى.


فرنسا والجبهة الدولية

عمليا غني عن القول، أن مسلسل فيينا الذي انطلق يجب أن يبدأ من تحديد هدف عام يكمن في الحد من الفوضى، ويجب أن يصب تكوين جبهة دولية تضم الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا والدول العربية في إيجاد توافق يثمر عن ولادة شروط جديدة تهيئ للاستقرار، وحل سياسي. كما أن مكافحة الإرهاب يجب أن تدفع في اتجاه الحفاظ على وحدة العراق ومساعدة الفرقاء على إيجاد تسويات سياسية تحفظ لحمة النسيج العراقي من التمزق، وليس الدفع نحو صراع سني – شيعي أو نحو سياسات تدفع في استنساخ تقسيم “يوغوسلافيا” من جديد في العالم العربي، ودعم ظهور دويلات جديدة كما تريد قوى عظمى.

ويجب أن تدرك الدبلوماسية الفرنسية بأن هذا لن يتم إلا إذا جنحت القيادة العراقية الحالية في الابتعاد عن الوصاية الإيرانية المفروضة عبر ميليشياتها وأزلامها في بغداد، وهو لن يؤتي ثماره أيضا إلا إذا ابتعدت فرنسا كليا عن دعم انفصال لكردستان العراق عن الحكومة العراقية المركزية.

والحال أن الانعطافة التي تشهدها الدبلوماسية الفرنسية حاليا على غرار خطاب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أمام البرلمان بغرفتيه، خاصة الدعوة إلى وحدة مكونات الشعب الفرنسي بأطيافها وأديانها وتنوعها، ثم مواجهة داعش والتقارب مع روسيا، لا يعني أن العمل مع الروس، هو مقدمة للتعاون مع بشار الأسد، فالتقارب بين باريس وموسكو حول داعش ممكن، لكن الاختلاف على القضايا الأخرى ما زالت باقية وعميقة.

على المستوى العربي، يردد الفرنسيون أن علاقاتهم قوية مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والمغرب ومصر، وأن العرب طرف رئيسي في أي جبهة دولية لمكافحة الإرهاب، خاصة، وأن السياسة الإيرانية ما زالت حبيسة إثارة النعرات الطائفية وتجييش الطائفة الشيعية، أما بخصوص العلاقة مع إسرائيل، يجب أن تستمر جهود فرنسا في حل الدولتين، لأن استمرار الوضع على ما هو عليه واستمرار الاستيطان والتهويد، لا يساهم قط في عودة الحوار السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين

د. حسن مصدق

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون