أيام في كابول.. أفغانستان وسوريا وبينهما التهور الروسي

05:17

2015-11-18

محمود الورواري

الوضع الإقليمي معقد!

جملة أسمعها كثيرًا وأتفق معها لكنني أضيف عليها ما هو أكثر:

الوضع الإقليمي في كامل المنطقة متخطيًا شرق أوسطيته أو تصنيفاته العرقية أو غيرها يمر بمرحلة الخلخلة وإعادة التركيب من جديد على أسس ومعايير ليست في صالح شعوبه!

هذا اليقين وسع دائرة الفضول لدى منذ بداية هذا العام 2015 ودفعني إلى التحرك الصحفي نحو كثير من النوافذ والبلدان التي تطلعني على زاوية ربما تكون جديدة، أو ربما تكشف لي رؤية خافية.

إن عقيدتي المهنية لا تميل إلى الركون، بل لا أثق في أي منتمٍ لهذه المهنة أسس تجربته من فوق كرسي، أو مزروعًا في استوديو.

2

منذ فترة وخصوصًا بعد أن أقدم بوتين على فعلته وتدخل عسكريًّا في سوريا لنصرة حليف له وهو بشار الأسد تحت شعار واهٍ بأنه انتفض فجأة ليكتشف في شهامته النائمة منذ سنين حمية القتال ضد "داعش" الإرهابية، رغم أن "داعش" كتنظيم موجود منذ أكثر من عامين، ويعبث في كل مكان.

هنا استعدت صفحة من تاريخ التهور الروسي خصوصًا عام 1979 حين احتل الروس أفغانستان لنصرة حليفهم حكومة حفظ الله أمين وقتها، الذي جاء بعد أن مرت البلاد بانقلاب محمد داوود عام 73 على المللك محمد ظاهر شاه الذي حكم البلاد أربعين عامًا منذ 1933.

التدخل الروسي في سوريا يعيد نفس السيناريو، في الحالة السورية دخل الروس يدعمون حكومة بشار الصديقة، كما يدعون ضد ثورة حقيقية وضد جماعات مسلحة من كل جانب، صحيح اقتصر تدخلهم على الضربات الجوية، يعني لا نستطيع أن نقول إن هناك جنديا روسيا في سوريا لكن هذا التدخل سيحول سوريا إلى قبلة لمزيد من الجهاديين ومزيد من الإرهابيين، تمامًا كما حدث في أفغانستان منذ غزوهم لها عام 79 بحجة نصرة حكومة "أمين" الصديقة لهم ضد حراك أفغاني كبير نجح في النهاية وهزم الروس وانسحب آخر جندي لهم عام 1989.

هذا التدخل الذي كان وبالًا على أفغانستان بل علينا نحن العالم العربي، لأنه نتج عنه تحول أفغانستان إلى بؤرة ومصنع لتفريخ الإرهابيين، وتربت "القاعدة" على أيدي الأمريكيين وامتلكت أحدث الأسلحة لتكون المخلب الأمريكي لضرب الاتحاد السوفييتي العجوز، وظهر مفهوم عقدي للجهاد على يد "عبد الله عزام وأيمن الظواهري وأسامة بن لادن" استمر وتحور حتى وصل إلى عقيدة إرهابية متوحشة عند "داعش".

في النهاية وتحديدًا في 89 خرج آخر جندي روسي مهزومًا هزيمة نكراء، وبقيت "القاعدة" وبقي مصنع الإرهاب قائمًا حتى انقلب السحر القاعدي على الساحر الأمريكي في أحداث 11 سبتمبر عام 2001، لتعود أمريكا لتلعب دور المحتل في أفغانستان مع حلفاء الناتو الغلاظ.

وبقيت أربعة عشر عامًا وما زالت وهي تكتفي بقليل من النتائج الوهمية، هم يقولون غزونا أفغانستان لإسقاط حكومة طالبان وأسقطناها.

ويقول الأفغانيون سقطت طالبان كحكومة لكنها بقيت كحركة قوية وما زالت تحتل الولايات الأفغانية وترفض المصالحة مع الحكومة الأفغانية الحالية.

وتعلن عليكم الجهاد، وتنتصر، ومنذ أيام سقطت "قندوز" في يدها ومعها العديد من الولايات الأخرى.

ويقول الأمريكيون أيضا إننا قتلنا "أسامة بن لادن" ودمرنا "القاعدة".

ويقول الواقع الأفغاني، صحيح قُتل أسامة بن لادن،"لكن القاعدة ما زالت موجودة وما زال أيمن الظواهري يصدر تصريحاته بين الحين والآخر".

إذن المحصلة المُرة، تؤكد أن هناك بلدًا عريقًا اسمه أفغانستان قد دمر وشعبه أنهك وغرق في الموت والدماء.

 

3

أمام هذه المتغيرات ساقني فضولي لأحمل كاميرتي وأتوجه إلى كابول، العاصمة الأفغانية مهما كانت خطورة الرحلة ومهما كانت تحذيرات المحيطين بي من أسرتي وأصدقائي وزملائي وإدارة "العربية"، الذين لا أملك إلا كامل الاحترام والتقدير لهم جميعًا.

صادفت ظروف سفري قرار الرئيس أوباما بإبقاء الجنود الأمريكيين عامين آخرين، مخالفًا بذلك تلك الاتفاقية التي وقعها مع الرئيس أشرف غني "بعد يوم واحد من أدائه اليمين الدستورية، وهي نفسها الاتفاقية التي رفض الرئيس السابق حامد كرزاي توقيعها، مما جعل البعض يقول أشرف غني دفع ثمن كونه رئيسًا لأفغانستان بتوقيعه تلك الاتفاقية الغامضة".

وبالتالي كانت التساؤلات تحوم وتتكاثف كالغيوم في رأسي، ماذا يريد أوباما من هذا القرار؟

هل لذلك علاقة بصراع مفترض بينه وبين الروس هذه المرة على الأراضي الأفغانية المملوءة بالدماء والوجع؟

الروس خائفون من "داعش" التي تقوى يومًا بعد يوم، تشكل شريطًا مخيفًا لهم على الحدود الأفغانية الشمالية.

تهدد ما كانت ممالك للروس، الجمهوريات الروسية السابقة؟

"داعش" أعلنتها صراحة، أنها لن تترك بوتين يمر بفعلته دون عقاب، وأنهم سيديرون معركتهم على أراضيه هو.

من يفك تلك الخيوط المتشابكة؟

من يعيد ترتيب الوضع؟

 

4

كابول من جديد.

ليس هناك فرق كبير بين كابول عام 2002 مع بداية الاحتلال الأمريكي وبينها الآن، مر أربعة عشر عامًا وما زالت جريحة ومريضة رغم ادعاء الأمريكيين أنهم جاؤوها للعلاج وأنهم أطباؤها المخلصون.

كابول ازدادت شحوبًا، مطارها كثرت أسواره، وكل شيء يفتش، أجهزة تفتيش وكلاب بوليسية وعيون زرقاء تفترسك فور وصولك إليهم.

يافتات كتبت بالفارسية والبشتونية تدعوك للحرص والانصياع إلى أوامر رجال الأمن.

وحده الشارع المؤدي إلى المطار تم رصفه بعناية لأنه يحوي السفارة الأمريكية وبعض القواعد المهمة العسكرية.

هي تلك القواعد التي ظهرت حين كانت الطائرة تقترب من الهبوط، طائرات حربية من كل الأنواع نائمة لتستريح أو ربما لتمتلئ بمزيد من الموت، وتعاود الانطلاق تفرغ سمها في من جاء قدره وعمره.

في سيارة مصفحة ضد الرصاص ركبت إلى "سيرينا" ذلك الفندق، الذي شهد منذ أيام قليلة حادثة مؤلمة حين تمكن مجموعة من إدخال سلاح قطعة قطعة حتى اكتمل بعد شهرين، واغتالوا به مجموعة كانت تسكنه.

إن تجربتي مع الأماكن الخطرة تدفعني للاطمئنان دائمًا، فأنا أعرف أن خلف كل مكان في العالم كثيرًا من الحكايات المخيفة وكثيرًا أيضًا من الحكايات المؤلمة ولكن لا نعرفها.

فعلاً حين وصلت كان الفندق محاطًا بأسوار عالية، خضعنا للتفيش الدقيق ودخلنا إلى سور آخر وأبواب حديدية مضادة للرصاص أيضًا، وتم تفتيشنا مرات ومرات وهكذا حتى وصلنا إلى الداخل. كان الفندق غاية في الرقة والجمال، الجبال تحيطه من كل مكان والخضرة تشكل القلب والمنتصف.

أردت أن ألتقط صورة عبر هاتفي الشخصي، ولكن للأسف بعد دقيقة واحدة كنت محاطًا بكثير من رجال الأمن، وأخذوا الهاتف ولم يتركوني حتى مسحت الصورة التي التقطتها.

تلك هي البداية، ولكن التجربة تستحق.

5

الرئيس أشرف غني.

كانت هناك ترتيبات للقاء الرئيس الدكتور أشرف غني، الرجل الذي نُصحت كثيرًا بعدم النقاش معه طويلاً، لأنه شديد العصبية وممكن يصدر منه أي تصرف غير متوقع.

أعرف الرجل منذ بداية حكم حامد كرزاي وكنت آراه خبيرًا دوليًّا، أكاديميًّا بامتياز وليس سياسيًّا أو رجل دولة.

أشرف غني أحمد زاي، هذا هو اسمه بالكامل ينتمي إلى القومية البشتونية وهي القومية الأكبر والأكثر نفوذًا، خريج الجامعة الأمريكية في بيروت عام 73، وهو دائمًا يمزح مع القريبين منه بأنه لم يأخذ الشهادة من بيروت فقط بل تزوج من هناك، حيث تعرف على "د.رولا سعادة" وهي مسيحية، يعني السيدة الأولى الآن في أفغانستان هي لبنانية قبطية، وهذا شكل عبئًا على الرئيس غني في مجتمع متشدد وليس فيه مسيحيون أصلاً.

ذهب إلى أمريكا وحصل على الماجستير والدكتوراه من هناك، وعمل في التدريس وعمل في البنك الدولي على المساعدة الإنمائية الدولية، واختارته مجلة السياسة الخارجية ضمن أفضل مائة شخصية فكرية عالمية.

لم يكن أشرف غني بعيدًا عن الرئيس حامد كرزاي، فقد عمل وزيرًا للمالية في عهده منذ 2002 وحتى 2004، قاد خطة الإنعاش الاقتصادي بعد انهيار حكومة طالبان.

في شهر مايو من عام 2009، رشح نفسه في الانتخابات الرئاسية وحل رابعًا وحاز على ما نسبته 3 في المائة من الأصوات، في حين أن عبد الله عبد الله حل ثانيًا بعد كرزاي، هذه الانتخابات التي فاز فيها حامد كرزاي في ولايته الثانية والأخيرة.

وظل عبد الله عبد الله يشكل الخوف لأشرف غني حتى انتهت ولاية كرزاي الثانية وبدأت التحضيرات للانتخابات الرئاسية في 2014، وقتها قرر أن يخوض غمار المنافسة مع الرجل الأقوى التي كانت تقول جميع التوقعات، إنه الفائز بلا منافس وفعلاً فاز عبد الله عبد الله بنسبة 44.9، على أشرف غني الذي حصل على 31، ولأن نسبة الأغلبية لم تتحقق حدثت إعادة في يوليو 2014، وكانت المفاجأة أن فاز أشرف غني، مما جعل عبد الله عبد الله يرفض الاعتراف بالنتيجة، وبعد أشهر من الخلافات تدخل جون كيري، ليقنع الاثنين بتقاسم السلطة ليكون أشرف غني رئيسًا، ويكون عبد الله عبد الله رئيسًا تنفيذيًّا للبلاد، وأذكر حين التقيت بالشيخ نعمة الله شهراني أبو الدستور الأفغاني الذي كان رئيس لجنة صياغتة عام 2004، أكد لي وهذا مسجل أن هذه الصيغة التي اقترحها كيري، ليست دستورية لأن الدستور الأفغاني لا ينص على ذلك، البرلمان الأفغاني نفسه قال هذا الكلام وطعن في شرعية هذه التقسيمة.

 

في المحصلة نحن الآن أمام بلد له رأسان، سفينة لها ربانان، وكما نعرف أن السفينة التي لها ربانان تغرق، فهل ستغرق أفغانستان؟

6

الاتفاقية الأمنية وثمن أن تكون رئيسًا.

في التاسع والعشرين من سبتمبرعام 2014، أدى أشرف غني اليمين الدستورية ليكون رئيسًا للبلاد في اليوم الثاني مباشرة وقع على الاتفاقية الأمنية التي تعطي الأمريكيين بقاءً أطول لقواتهم في أفغانستان.

وهنا سمعتها كثيرًا طوال لقاءاتي الخاصة، أو في العمل وأنا في كابول، أن اشرف غني يدفع ثمن أن يكون رئيسًا.

الاتفاقية الأمنية التي تضمن بقاء ما عدده 9800 جندي أمريكي حتى نهاية 2015، هذه الاتفاقية التي نسفها أوباما حين أصدر قراره ببقاء جنوده عامين آخرين.

طبعًا الأمريكيون طرحوا هذه الاتفاقية طوال العام الأخير لولاية كرزاي، لكنه رفض التوقيع عليها، هذا الرفض حلله كثيرون بأن في هذه الاتفاقية ماهو غامض خصوصًا ما يتعلق ببقاء قواعد عسكرية أمريكية في أفغانستان.

بالإضافة إلى موضوع الحصانة التي ستمنح للجنود الأمريكيين على الأراضي الأفغانية، وتجعلهم غير خاضعين للقانون، ولا يحاسبون على أي جريمة يرتكبونها.

7

اتفاقية كرزاي:

هناك خلط كبير بين الاتفاقية التي وقعها حامد كرزاي في مايو عام 2012، والاتفاقية التي وقعها أشرف غني في 2014.

حامد كرزاي وقع اتفاقية في 2 مايو 2012، مع أوباما الذي زاره في قصر الرئاسة في كابول، وكانت وقتها اتفاقية استراتيجية طويلة الأمد، وغادر بعدها أوباما إلى قاعدة باجرام العسكرية، شارك الجنود الأمريكيون احتفالاتهم بمرور عام على مقتل أسامة بن لادن ثم غادر إلى أمريكا مع الفجر.

يعني في ليلة حالكة وقعت الاتفاقية لذا في الصباح انهالت الاتهامات على كرزاي.

الكل تساءل هل فيها ما يشير إلى قواعد عسكرية أمريكية دائمة؟

لكن خرج كرزاي وقال هناك جزء أمني مكمل لهذه الاتفاقية حين يكتمل سنوقع عليه.

فلما اكتمل الجزء فيما عرف باسم الاتفاقية الأمنية، أعلن كرزاي، رفضه التوقيع، وقتها قال الجميع إذن في الاتفاقية ما يشير إلى إقامة قواعد دائمة، فلما وقع أشرف غني على ما رفضه كرزاي، أصبح الحديث شبه أكيد بأن هذه الاتفاقية ملغمة.

وكانت هذه الاتفاقية سببًا رئيسًا في فشل الرئيس أشرف غني في عامه الأول، بسببها أعلنت حركة طالبان الجهاد من جديد وأخذت قندوز وغيرها، ورفضت المصالحة مع الحكومة.