الإسلام والقوى الدولية

05:15

2015-11-18

أحمد المسلماني

أثناء دراستى فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. كان كتاب أستاذنا الدكتور حامد ربيع «الإسلام والقوى الدولية» من بين الكتب الأكثر جاذبية لنَا. ومنذ قرأتُ الكتاب «طالبًا».. وأعدت قراءته «باحثاً».. وأنا أضع فيما أكتب وأتحدّث ذلك العنوان الكبير: الإسلام والقوى الدولية.

وقد جاء كتابى الجديد «الجهاد ضد الجهاد» ضمن تقاليد مدرسة السياسة المصرية- كلية الاقتصاد والعلوم السياسية- فى تحليل قضايا الفكر السياسى.. فى إطارها المحلى، وفى سياقها العالمى.. فى الحجم الطافِى على سطح الماء، وفى الحجم الحقيقى الذى يمتدّ إلى ما وراء الطفوْ.

ولقد جاءتْ أحداث باريس لتطرح من جديد ذلك العنوان: الإسلام والقوى الدولية.. ذلك أن حركات الإسلام السياسى.. قد نجحت فى أن تجعل الإسلام مرادفاً للإرهاب فى ذهنيّة مئات الملايين من البشر حول العالم.. فعند هؤلاء «الإسلام والقوى الدولية» يساوى «الإرهاب والقوى الدولية»!

لم تكد أعداد هائلة من البشر حول العالم يبحثون عن الإسلام إعجاباً وتقديراً.. حتى جاء تنظيم القاعدة.. فأهلكَ البلاد والعباد.. وأهالَ الغُبار على صورة الإسلام فى العالم.

ولم تكد صورة الإسلام تتعافى.. وتنجح حملات المسلمين المعتدلين فى تصحيح الصورة.. وشن حملة على الذين يسيئون إلى الإسلام ويربطون الدين الحنيف بالإرهاب البغيض.. حتى جاء تنظيم داعش.. ليعيد الغُبار إلى مكانه.. وليراكم من طبقات الغبار.. حتى لم يعد يرى كثيرون حول العالم فى الإسلام.. إلاّ داعش.. والداعشيين.

أصبحت المعادلة التى تحكم «الإسلام والقوى الدولية» هى معادلة مروّعة: الإسلام ضد الإسلام، والإسلام ضد العالم.

وفى أسبوع واحد.. كان «الإسلام ضد الإسلام» ماثلاً فى تفجيرات بيروت، ثم كان «الإسلام ضد العالم» حاضراً فى تفجيرات باريس.

ذهبَ أكثر من (40) من الضحايا فى بيروت فى إطار الحرب الأهلية داخل الإسلام، وذهبَ أكثر من (120) من الضحايا فى باريس فى إطار حرب الوقيعة بين الإسلام والقوى الدولية.

اليوم.. تخشى روسيا من «الإسلام السياسى» الذى قد تنطلق أعماله فى أراضيها.. وتخشى الصين من تمددّ «الإسلام السياسى» إلى منطقة سينكيانج.. ليبدأ صداماً كونفوشيوسياً- إسلامياً يتولى استنزاف الاقتصاد الثانى فى العالم.

واليوم أيضاً.. تخشى أوروبا أن تمتد أيدى «الإسلام السياسى» الموالى لقوى خارجية لا نعرفها.. وربما هو نفسه لا يعرفها.. إلى قلب أوروبا.

قبل شهور.. كانت أحداث شارلى إبدو.. واليوم أحداث متزامنة فى باريس.. قاعةً ومطعماً وملعباً، دماء فى كل مكان.

سيبذل المسلمون المعتدلون قصارى جهودهم للتأكيد على أنّ هذا ليس هو الإسلام.. وأن الإسلام دين الرحمة والتسامح، وأن الدين العظيم برىء من هؤلاء المجرمون. لكن «حركات الإسلام السياسى» بالتعاون مع «أعداء الدين الإسلامى» سوف يقومون بحربٍ مضادّة للتأكيد على أن هذا هو الإسلام.. وأن هذه هى حقائق العقيدة والسلوك فى الإسلام.

يريد «تحالف الشر» والذى يتشكل من الفريقين المذكوريْن: «حركات الإسلام السياسى» و«أعداء الإسلام».. أن يهزم الإسلام بالإسلام!

يريد «تحالف الشر» أن يكون الإسلام فى حربٍ داخلية، تأكل الأخضر واليابس.. وتبدّل صورة «خير أمة أخرجت للناس» إلى صورة «أمة اللاجئين والمتسولين.. أمة الغرقى والهاربين»! كما يريد «تحالف الشر» أن يخوض الإسلام حرباً عالمية مع البوذية والكونفوشيوسية فى آسيا، ومع المسيحية فى أوروبا.. لنصبح وحدنَا فى مواجهة العالم!

لقد توثّقت علاقات متميزة بين القاهرة وباريس منذ زيارة صديقنا فى الرياض.. الأمير سعود الفيصل إلى باريس.. ثم مضَتْ إلى تسليحٍ جادّ للجيش المصرى.. من الطائرات إلى حاملات الطائرات.

واليوم نشعر جميعاً بالأسى والحزن لما أصاب الصديق الفرنسى.. وما أحاقَ بالعاصمة باريس. قلوبنا مع فرنسا فى محنتها.. وأملُنا فى تعاون حقيقى بين بلادنا والعالم المتحضِّر من أجل خوض حربٍ قصيرة تقضى على الإرهاب قبل أن يضطر العالم إلى خوض حرب عالمية تقضى على الحضارة المعاصرة.

إننا نحتاج إلى إنهاء المعادلة المروِّعة المذكورة.. وتأسيس معادلة جديدة: السلام داخل الإسلام.. والسلام مع العالم.

السلام على مصر ورحمة الله وبركاته.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر