رانيا العبدالله: الأردن سيبقى بلد الاعتدال والأمان

23:50

2014-10-19

الشروق العربي - «الاقتلاع من الوطن يخلق واقعاً جديداً مريراً، وفي ظل العجز الواضح في العطاء الإنساني، تغدو التحديات عظيمة وشائكة».

بهذه الكلمات، بدأت جلالة الملكة رانيا العبد الله، عقيلة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين، حوارها لها، خلال مشاركتها في مؤتمر الاستثمار في المستقبل، الذي استضافته إمارة الشارقة يومي الأربعاء والخميس الماضيين، مشددة على ضرورة الاهتمام بالتعليم، باعتباره بوابة الدخول إلى المستقبل، وبداية التقدم الحقيقية، بل والوحيدة في العالم.

قدر الأردن

نعلم أن الأردن يعتبر من الدول الأكثر استضافة للاجئين السوريين، ولكن في ظل الأوضاع الاقتصادية ومحدودية الموارد، كيف يتم التعامل مع هذا الأمر؟

الأردن كان وسيبقى بلد الاعتدال والتسامح، وملاذ من ينشدون الأمن والطمأنينة، ومواقف الأردنيين تعكس قيم الكرم والاحترام والتعاطف وقيم الإنسانية المشتركة المتأصلة في الأردنيين.

قدر الأردن أن يكون أحد أكثر الدول استضافة للنازحين واللاجئين عالمياً، بسبب موقعه المتوسط بين دول جوار تعاني من الحروب والصراعات منذ عقود. ومنذ بداية الأزمة السورية، فتح الأردنيون بيوتهم وقلوبهم ومدوا يد العون لمن هم بحاجة لذلك. وذلك التعاضد مع جيراننا، حرص عليه جلالة المغفور له الملك الحسين، وكرسه بكل فخر الملك عبد الله الثاني.

لكن الجهود المبذولة في الأردن في التعامل مع اللاجئين تتجاوز توفير الاحتياجات الأساسية بالكم إلى العمل على النوعية وضمانها. ومع التقدير الكبير والشكر إلى الأمم المتحدة والدول الداعمة الصديقة والشقيقة، إلا أن هناك الكثير الذي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار.

نحتاج من المجتمع الدولي أن يضع نفسه مكان المدن الأردنية التي تقع على الحدود المليئة باللاجئين، ليدرك ما يعانيه سكانها من ارتفاع للأسعار وللإيجارات، وتزاحم وضغط على ندرة ونقص الموارد، مثل الماء والوقود.

الأردن يواجه تحديات في الفقر والبطالة ولا يملك الثروة ولا الموارد الطبيعية، وهو بحاجة ماسة للدعم، حتى يتمكن من الاستمرار في القيام بالمسؤوليات تجاه اللاجئين وتوفير متطلباتهم.

حديات عربية

بنظرك، ما هي أهم التحديات التي تواجه العالم العربي في الوقت الراهن؟

تحديات العالم العربي في التنمية والتعليم ومحاربة الفقر والبطالة، هي بالتأكيد هامة، ولكن أهم ما يواجه العالم العربي هو التطرف والتمزق من الداخل، عن طريق التفتيت أو الالتفات إلى هويات فرعية.

وأعتقد أن العالم العربي بحاجة حالياً لإعادة الاعتبار لقيمة وقدسية الحياة، من خلال تبني طرح ثالث وطريق وسطي يفتخر به الأفراد، كونهم عرباً ومسلمين متمسكين بالعادات والتقاليد، وبنفس الوقت، كونهم جزءاً من العالم يتفاعلون معه ويستخدمون كل ما هو حديث ومتطور لبناء حياة جميلة لأسرهم، من دون تناقض بين الأمرين.

ومن أجل إعداد جيل قادر على مواجهة هذا التحدي، يجب الاهتمام بالتعليم. وللأسف، يصنّف التعليم في العالم العربي بين أضعف نظم التعليم في العالم، ناهيك عن مئات الآلاف من الأطفال العرب الذين لا يذهبون إلى المدارس أصلاً بسبب ظروف أوطانهم. فمهما كان التحدي الآني الذي تواجهه أي دولة، لن تستطيع الوقوف على أقدامها وبناء مستقبل متين إن لم يتمتع أبناؤها بتعليم نوعي.

أولوية التعليم

تحدثت كثيراً، وفي مناسبات عدة، عن ضرورة أن يكون التعليم أولوية، وأن نتائج تجاهل العرب للفجوة الموجودة في نظم التعليم العربية ستكون كارثية.. كيف ترين وضع التعليم العربي اليوم؟

واقع العالم العربي يعكس وضع التعليم فيه، فكل سنة يتخرج الملايين من الصروح العلمية، ولكن كم منهم مخترع أو مبتكر أو مبدع؟

هذه نتيجة حتمية لجمود نظمنا التعليمية وعدم محاكاتها لمتغيرات العصر، وبالأخص لمتطلبات سوق العمل. حتى في التعليم المبكر، نجد أن نسبة التحاق الأطفال في العالم العربي لا تتجاوز 20 في المئة، مقارنة بالدول المتحضرة التي تصل النسبة فيها 85 في المئة، ولهذا، نجد أن إنجازات التعليم في العالم العربي خلال العقود الماضية كانت للأسف في الكم وليس في النوع..

وعليه، أصبحت مخرجات التعليم رافداً من روافد البطالة، وعبئاً على المجتمع. وحتى نحدث فرقاً في مستقبلنا، علينا التركيز على مخرجات التعليم والاستفادة من الاقتصاد المعرفي والثورة المعلوماتية التي شكلت انقلاباً على العملية التعليمية بكل عناصرها، ولكنها لم تدمج في مدارسنا وجامعاتنا بعد.

مبادرات ونتائج متوخاة

معروف اهتمام جلالتك بالتعليم والشباب، ولكم الكثير من المبادرات التعليمية، ما هي الأهداف التي تطمحون إلى تحقيقها من خلال مبادراتكم؟

أؤمن أنّ التعليم هو العامل المشترك الأكبر للمساهمة في إيجاد حلول لما نواجه من تحديات، وانطلاقاً من أن الوصول إلى تعليم نوعي يحتاج إلى تظافر جميع الجهود، جاءت تلك المبادرات التعليمية لتعمل إلى جانب الجهود الوطنية وتواكب مستجدات العصر وأدواته، بما يؤهّل أبناءنا لدخول سوق العمل، ومواجهة تحديات الحياة بثقة المبادرات تعمل على الارتقاء بالعملية التعليمية بكل عناصرها، سواء بتحسن البيئة المدرسية والبرامج اللامنهجية، أو بتزويد المعلمين بالأدوات التي تمكنهم من الانتقال بالتعليم من أساليب القرن الماضي إلى أساليب ومعارف وأدوات القرن الحادي والعشرين.

كما أؤمن بتوظيف التكنولوجيا في التعليم في شتى المراحل. وأطلقنا العام الحالي منصة إدراك الإلكترونية العربية للمساقات الجماعية مفتوحة المصادر، لتشكل فرصة فريدة ومهمة للوطن العربي، وتفتح المجال للمتعلمين العرب للالتحاق مجاناً عبر شبكة الإنترنت بمساقات متوفرة من قبل أفضل الجامعات العالمية.

هل مبادرة إدراك التي أطلقتها جلالتكم لتوفير التعليم النوعي عبر الإنترنت، قادرة على أن توجه البوصلة في التعليم إلى العالمية، وتدفع الشباب العربي للمساهمة والاستفادة بفعالية من التعليم في مختلف القطاعات؟

أعتقد أن التعليم الإلكتروني فرصة يمكن من خلالها الوصول لأكبر عدد من المتعلمين بشكل مستدام، ويمكن تقديم حلول سريعة وفعّالة لتعليم الفكر الخلاق والمهارات المهنية التي يطلبها سوق العمل من خريجينا.

ومما لا شك فيه، أن التكنولوجيا الرقمية أصبحت في متناول معظم العرب، ولكن لم توظف في التعليم على نطاق واسع لإحداث قفزة نوعية في مستوى التعليم، والاستفادة من المستجدات العلمية على المستوى العالمي. وهذا ينطبق على «إدراك»، وعلى مبادرات أخرى أتاحت التعليم النوعي باللغة العربية عبر الإنترنت. فهي تعطي المتعلمين حرية اختيار الوقت..

ولا يتحمل الطالب أي تكاليف مادية للالتحاق بها. وفي حالة «إدراك»، توفر المنصة مساقات تم تطويرها خصيصاً من قبل أفضل الأكاديميين العرب، أو مترجمة لما يتم تدريسه في بعض الجامعات العالمية المرموقة، ومنها ما تم تطويره من قبل مختصين في مجالاتهم. مثل صناعة الأفلام أو تخصصات فنية أخرى.

منصة إدراك

كيف كانت استجابة الشباب العربي لما يطرح من تعليم عبر منصة إدراك؟ وما هي الاتجاهات التي عكستها مشاركات الشباب فيها؟

منذ إطلاق «إدراك» في يونيو الماضي، وبعد طرح 10 مساقات تعليمية، وجدنا إقبالاً كبيراً وتعطشاً من الشباب العربي لمثل هذا النوع من التعليم الإلكتروني، وتم تسجيل أكثر من 100 ألف متعلم في المنصة، وأتم الآلاف منهم المساقات التي سجلوا فيها.

وشهدت مساقات معينة إقبالاً لافتاً، مثل: مقدمة في علم الحاسوب، والبرمجة، والصحة النفسية للطفل، ومهارات مقابلات التوظيف والعمل.

مبادرات تتخطى الحدود

بعض مبادرات جلالتك التعليمية تخطت حدود الأردن. ما هي رؤيتكم لما يمكن أن تضيفه مثل هذه المبادرات للعالم العربي؟

في الدول العربي يأتي التعليم في سلم الأولويات، ولهذا تعمل المبادرات التعليمية التي تم إطلاقها على التواصل مع الجهات ذات العلاقة في العالم العربي، لتستفيد مما لديها، وتبني على الخبرات المتراكمة، والتي تنسجم مع الاستراتيجيات والأهداف التعليمية العربية، وخاصة في ما يتعلق بالمعلمين وتدريبهم.

وفي المستقبل القريب، إن شاء الله، وبالتحديد خلال شهر ديسمبر، تنظم أكاديمية تدريب المعلمين أول مؤتمر إقليمي للمعلمين، ليجمع أكثر من سبعمئة مختص تربوي ومتحدثين وخبراء من جامعات ومؤسسات عربية وعالمية. وسيقدم تجربة مميزة وفريدة من نوعها لمعلمي المنطقة، ليتعرفوا إلى أحدث التطورات والممارسات ووسائل تطوير التعليم والتعلم في الغرفة الصفية، ويمكن للمعلمين من كل أنحاء العالم العربي التسجيل والمشاركة في الورشات عبر الإنترنت.

نبض القلب

تحدّثت الملكة رانيا خلال الحوار مع «البيان» عن أسرتها ومهامها كزوجة وأم. فأوضحت أنّه «من المهم أن يضع الشخص في روتينه اليومي الوقت الكافي للعائلة.. وهذا ما يحرص عليه جلالة الملك، وأحرص عليه أيضاً».

وتابعت أنّ «الأمير الحسين على مقعد الدراسة في الجامعة، وعلى تواصل واتصال دائم، والأميرة إيمان التحقت هذا العام بالجامعة». وهنا قالت بتأثّر: «أشعر بأن جزءاً من قلبي ينبض بعيداً عني. أشعر بالقلق والسعادة بنفس الوقت». وأردفت: «الحمد لله سمو الأمير هاشم والأميرة سلمى يتابعان دراستهما، وأقضي معهما كثيراً من الوقت، وأستمتع بوجودها بقربي، الله يحميهم ويوفقهم جميعاً».