القيم الأخلاقية للدولة المصرية

18:54

2014-10-19

محمود الورواري

الدول تبقى بأخلاقها ولا تبقى بقوتها العسكرية ولا بقوتها الاقتصادية، لطالما رأينا دولة بلغت من القوة أن حكمت العالم ورغم ذلك زالت، وأخرى بلغت من الثراء والغنى ما سيطرت به على العالم ولم تبق وزالت، ورأينا دولاً أخرى تمسكت بأخلاقها وبقيمها فبقيت وعاشت.

التاريخ ملىء بنماذج توهمت أنها ستُخلد بقوتها العسكرية مثل النموذج النازى الذى حاول هتلر تأسيسه منذ 1933 متبعاً كل ما هو غير أخلاقى فى السيطرة والاحتلال والقتل والتدمير والتخريب، حتى سقط مشروعه النازى تحت أقدام الحلفاء حين اجتاحوا ألمانيا عام 1945 وانتحر هو فى حضن عشيقته «إيفا براون» بعد أن توهم للحظة وتوهم معه كثيرون أن مشروعه قد نجح بعد أن سيطر هو ومعه دول المحور فى ثلاثة أعوام على معظم قارة أوروبا ما عدا بريطانيا وأجزاء كبيرة من أفريقيا ودول شرق وجنوب شرق آسيا والدول المطلة على المحيط الهادى وثلث مساحة الاتحاد السوفيتى.

وفى النهاية ما الذى بقى من هتلر ومشروعه النازى؟

الذى بقى اعتذارات يقدمها الشعب الألمانى عن كل أخطاء هتلر ودمويته.

فى المقابل هناك نموذج دولة الصين التى انتمت لمشروع فكرى وأخلاقى عظيم وصاحبه وهو «كونفوشيوس» المعلم الأول، الأب الروحى للصينيين الذى ولد فى الصين القديمة عام 551 قبل الميلاد، وترك لهم من القيم والمبادئ الأخلاقية التى جعلتهم متماسكين وأقوياء حتى الآن، وحدد لهم عبر تعاليمه العلاقة بين بعضهم البعض وبينهم وبين الطبيعة والعالم.

لعلى أذكر بعضاً من مقولاته التى تؤسس لشرعية العلاقة بينهم وبين الحاكم حين قال «إذا قصر الإمبراطور وأخفق فى التمسك بالأخلاق ورفعتها فإنه يكون قد تخلى عن حقه فى الحكم».

هذا العظيم علم شعبه عبر التاريخ أن هناك شرعية أخرى غير شرعية الصندوق أو شرعية الإنجاز أو شرعية التوافق أن هناك شرعية أخرى هى شرعية الأخلاق.

من النموذجين نرى أن الصينيين الذين ورثوا فى جيناتهم تعاليم «كونفوشيوس» وتمسكوا بها سادوا واكتشفوا أن التمسك بالأخلاق يؤدى إلى تحقيق الثراء والغنى والخلود، فى المقابل تبرأ الألمانيون من هتلر ونازيته واكتشفوا أن القوة العسكرية دمرت بلدهم وشعبهم ودمرت شعوب العالم أجمع فى حرب طاحنة أكلت الأخضر واليابس، وهنا لا أدعو إلى معاداة القوة العسكرية بل أنتقد استخداماتها غير الأخلاقية. إننا بعد هذه المقدمة نلفت الانتباه ونحن نرى البنائين يضعون القواعد للدولة المصرية الجديدة، ونلفت الانتباه حتى لا ننسى فى زحمة التأسيس عموداً محورياً فى جسد هذه الدولة المرتجاة. إننا نرى اهتماماً بتأسيس قاعدة اقتصادية مهمة، وخطوات لإنعاش الاقتصاد والخروج به من مأزقه وهذا شىء مفرح، ونرى أيضاً أخذاً بجميع الأسباب مثل اللجوء للخبراء المحليين والدوليين وحضور المؤتمرات وإنشاء مشاريع قومية كبرى مثل تطوير إقليم القناة وغيرها.

كما أننا نرى أيضاً اتباعاً دقيقاً لخارطة الطريق السياسية واستكمالاً لجميع خطواتها خصوصاً المرحلة المتبقية فيها وهى انتخابات مجلس النواب، لكننا لا نرى على الإطلاق الاهتمام الكافى بإنشاء مشروع آخر قومى يؤسس لما يجب أن تكون عليه القيم الأخلاقية للدولة المصرية المرتجاة، لم نر سوى بعض التصرفات والتصريحات من الرئيس وكأنه يغرد وحيداً خارج سربين، سرب لمؤسسات الدولة وآخر لسلوكيات الشعب. رأيناه مثلاً فى أكثر من مناسبة يلمح إلى بعض القواعد الأخلاقية للدولة، خصوصاً حين التقى بوفد الإعلاميين المرافقين له فى نيويورك أثناء مشاركته فى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين سألوه عن تصريحات أردوغان المسيئة للدولة المصرية وله هو شخصياً، قال «علينا أن نحول الإساءة التى توجه إلينا إلى إحسان» وقال أيضاً فى خطابه فى جامعة القاهرة أثناء تكريمه لأوائل الجامعات المصرية «نريد مدرسة إعلامية مصرية لا تسب ولا تسىء للناس».

وقال أثناء الانتخابات الرئاسية وعبر كثير من الحوارات التى أجريت قال تعبيرات تجاه المختلفين معه فى الدين وتجاه أهله وشعبه ما يمكن تسميته نهجاً أخلاقياً للحاكم، كلها مجموعة قيم يرددها ويتبناها هو فقط، إننا نطالبه بأن يحولها إلى تشريعات فى مجالات شتى، يحولها إلى خطة استراتيجية لاستعادة القيم المطحونة وتحديد أولوياتها، أو يتخذ موقفاً ما تجاه فريق السباب المصرى، وكورال السفالة الذى تربى فى أروقة أنظمة ساقطة.لو أراد لفعل، فقد نجح فى نقل قيمه إلى المؤسسة العسكرية وتجلى ذلك أثناء الاحتفال بانتصارات أكتوبر حيث حولها إلى احتفال بقيمة وبدور الشعب المصرى صاحب الفضل الأول والأخير، وفيها أيضاً ولأول مرة أشار بالفضل إلى الدور العربى الداعم فى انتصارات أكتوبر، حيث كانت الكتيبة الجزائرية بجوار المصرية بجوار السورية والليبية والعراقية، هنا تكريس لمبدأ أخلاقى للدولة، بالتالى يستطيع أن ينقل منظومة القيم هذه إلى جميع المؤسسات.

حتى لا تبقى تصرفات فردية لرئيس محترم وفقط، نريد نهجاً أخلاقياً لنظام سياسى يحكم مصر الآن واستراتيجية لشعب تم تجريف منظومته الأخلاقية طوال أكثر من 30 عاماً ماضية.

ما أتمناه وأطالب به أن يدعو الرئيس جميع المعنيين بصناعة المنظومة الأخلاقية بدءاً من النظام الحاكم وانتهاء بطبقات الشعب المقهورة فى العشوائيات والعشش والقرى والنجوع.

أتمنى أن يدعو إلى تأسيس هيئة قومية للقيم المصرية يشارك فيها علماء الاجتماع وعلماء النفس والتاريخ والمفكرون والأدباء والفنانون وعلماء الدين، هؤلاء يصيغون قائمة من القيم التى تآكلت وماتت، وقائمة أخرى للقيم التى يجب أن تسود لنعيد بهاء هذا الشعب من جديد.