إسرائيل: هجرة غير مسبوقة الي دول اوروبا

17:45

2014-10-18

غزة – الشروق العربي – مسعد المهموم - تتصاعد موجة الهجرة الإسرائيلية العكسية تجاه دول  أوروبا والبلدان الغربية، فتسجِّل ظواهر جديدة في المعادلة الديمغرافية في فلسطين المحتلة، طبقاَ لما أفاد به خبير في الشؤون الأوروبية.

وأكّد "حسام شاكر"، الخبير في الشؤون الأوروبية في استعراضه لنتائج تحليلية في هذا الصدد من بروكسيل أنّ المؤشرات المتاحة تكشف عن موجة غير مسبوقة في طبيعتها في نزيف الهجرة الإسرائيلية العكسية من فلسطين المحتلة إلى أوروبا، وأنّ اتجاهاتها متصاعدة، متحدثاً عن "اتساع ظاهرة الإسرائيليين السابقين .

وأوضح شاكر، أنّ الهجرة الإسرائيلية العكسية آخذة بالتحوّل إلى حالة جماهيرية جارفة متعددة المستويات، خاصة مع اختيار وجهات جديدة للتمركز، وهذه تمثل هاجساً كامناً لدى المؤسسة الإسرائيلية التي تدرك أنّ قرابة ثلث الإسرائيليين ليسوا في فلسطين المحتلة في أي وقت من الأوقات .

ولفت حسام شاكر الأنظار إلى أنّ هذه الحالة تؤجِّج تجاذبات بين الشبان الإسرائيليين من دعاة الانطلاق إلى العالم والهجرة إلى الخارج، وأوساط إسرائيلية حكومية وإعلامية تمارس التحريض ضد هذه الدعوات وتنعتها بوصف معاداة الصهيونية .

وتوقع شاكر أن تشجِّع هذه الهجرات ظاهرة الفجوة بين التجمّعات اليهودية والإسرائيلية في أوروبا من جانب والخطاب السياسي والدعائي الإسرائيلي من جانب آخر.

وقد اتضح خلال العدوان الأخير على غزة أنّ منظومة تأييد الاحتلال في أوروبا أظهرت عجزاً في حشد اليهود في الفعاليات الجماهيرية المؤيدة للعدوان، بينما أعرب مزيد من اليهود والإسرائيليين السابقين عن مواقف معارضة للعدوان ومؤيدة للحقوق الفلسطينية.

وصنّف شاكر الهجرة العكسية ضمن مستويات متعدِّدة، فمنها مستوى يقوم على الانتقال الدائم، وهناك أيضاً "هجرة مؤقتة" تأتي على هيئة حالات سفر طويلة الأمد يستقرّ بموجبها الإسرائيليون في محطة بعينها أو أكثر من محطة، لمدّد أطول من السفر التقليدي المعهود لأغراض السياحة والأعمال .

وأشار حسام شاكر إلى أنّ مجتمع الاحتلال الإسرائيلي يُعتبر أساساً من المجتمعات كثيرة السفر نسبياً إلى وجهات أوروبية، خاصة مع الشعور بالضغوط وعدم الاستقرار في فلسطين المحتلة، وبالنظر إلى العزلة الإسرائيلية عن السياق العربي المحيط بفلسطين .

وأضاف: تشكِّل الوجهات الأوروبية والغربية خياراً مفضلاً للإسرائيليين من أصول أوروبية شرقية أو غربية، فهي بمثابة محاولة كامنة للعودة إلى الجذور أو تعبير عن الانعتاق المكاني من الواقع الاستيطاني المفتعل، مع التملّص من ضغوط العيش تحت التهديد المرتبط بالاحتلال والمقاومة .

وقدّر شاكر عدد الإسرائيليين الذين انتقلوا للعيش في برلين وحدها خلال السنوات القليلة الماضية، وخاصة في الشهور الأخيرة، بما يتراوح بين 25 ألفاً و35 ألفاً، ويشهد المنسوب ارتفاعاً متزايداً وحادّاً ليغدو في أمد قريب ليتجاوز ربع مليون في برلين ومدن ألمانية أخرى في سنوات قليلة مقبلة.

والمفارقة، كما يوضح شاكر، أنّ "برلين وهي تتحوّل إلى عاصمة الهجرة العكسية للشباب الإسرائيلي إلى أوروبا؛ فإنها في الوقت ذاته تمثِّل أبرز مراكز الشتات الفلسطيني في القارّة .

وعن الآفاق المستقبلية لهذا المنحى، رأى حسام شاكر أنّ نشوء حالات استقطاب في وجهات الهجرة، مثل حالة برلين، "يعني على الأرجح أنها مؤشرات تتعاظم باطراد ككرة الثلج المتدحرجة، لأنّها تُنشئ بيئات جذب تحتوي على إمكانية احتضان الثقافة الفرعية لمجتمع المهاجرين ضمن مجتمع أعرض، فتتشكّل شبكات مصالح اجتماعية كاملة لهؤلاء المهاجرين عندما يتجاوز عددهم في مدينة بعينها حدّاً معيّناً أو نقطة حرجة، وسيقيمون في غضون ذلك مصالح معيشية وتجارية تمثل نجاحات تستقطب مزيداً من الإسرائيليين، وستتكوّن من خلال ذلك فرص لمزيد من القادمين من مجتمع الاحتلال، وهكذا دواليك .

وأضاف شاكر: "الفارق في هجرة الإسرائيليين أنها تتمّ بسهولة، ولا تتكلّف سوى تذكرة سفر وتحليق في الأجواء ساعات قليلة، وتكاليف معيشية أيسر بكثير من الحالة في فلسطين المحتلة، بينما يبحث كثير من المهاجرين الآخرين عن فرصهم في الانتقال إلى أوروبا عبر مخاطر قد تأخذ بهم إلى الهلاك أو الغرق أو الطرد"، كما قال.

وعن تأثير العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، على هذه الهجرة العكسية؛ أوضح شاكر: "على مدى سبعة أسابيع في الصيف استشعر مجتمع الاحتلال حالة من الانكشاف أمام تهديدات وجودية، واتضح لهذا المجتمع أنّ مظلّة الحماية التي تمثلها دولته غير فعّالة في لحظة الحقيقة.

وقال "إنّ غزة الواقعة في الخاصرة الجنوبية كانت قادرة على حرمان الإسرائيليين من النوم الهانئ في ليالي الصيف، وقد جرى هذا في قلب العالم العربي الذي يحفل بالمفاجآت الصادمة والتحوّلات الاستراتيجية
وهكذا فإنّ "حالة القلق الوجودي هذه تحفِّز أي قرار بالخروج من المكان والفرار من ضغوط الواقع السياسية والاقتصادية، وستكون أوروبا أو أمريكا الشمالية خياراً معقولاً"، وفق تقديره.

مشيراً في حديثه أن وسط أوروبا وشرقها، مثل المجر وبولندا، لا توفِّر في واقعها السياسي والاجتماعي والثقافي، حالة احتضان لهجرة يهودية عكسية رغم حركة السفر الإسرائيلية النشطة إليهما، خاصة مع شيوع التحفظات التقليدية إزاء اليهود بالمقارنة مع بلدان أوروبا الغربية، وحضور الخطاب اليميني المتطرف بوضوح في بعض أوساطها السياسية والشعبية .

ورأى شاكر أنّ الإقامة في فلسطين المحتلة عندما تفقد جدواها الاقتصادية؛ فإنّ بحث الإسرائيليين عن وجهة سفر أو هجرة متاحة "سيكون الخيار المباشر بالنسبة للذين يملكون مفاتيح الإقامة في الخارج عبر جواز سفر بديل أو تصريح إقامة، بينما يختار مغامرون آخرون الانتقال إلى مستوطنات في الضفة الغربية تتيح مزايا اقتصادية مغموسة بالتهديدات الوجودية"، حسب ما خلص إليه.