الاستثمار في الجيوش العاطلة يقود نحو اتجاهات غير متوقعة

14:27

2014-10-18

الشروق العربيكيف سقطت الموصل؟ سؤال يقول الخبراء إن الإجابة عنه تستوجب العودة عشر سنوات إلى الوراء وبالتحديد، إلى عملية حلّ الجيش الوطني العراقي مع بداية الاحتلال الأميركي. وفي إطار البحث عن إجابة لهذا السؤال المحوري، نشرت صحيفة “العرب” (في 16/10/2014، العدد: 9709، ص6)، التقرير الخاص الذي أجرته وكالة "رويترز" مع اللواء مهدي الغراوي أحد الشهود الرئيسيين عن عملية التخلي عن ثاني أكبر مدينة عراقية لتنظيم الدولة الإسلامية.

 

وليام ج. أستور

 

في يونيو الماضي انهار عشرات الآلاف من قوات الأمن العراقية في محافظة نينوى شمال بغداد أمام هجمات مقاتلين من تنظيم الدولة الإسلامية، متخلية عن أربع مدن كبرى. واسترعى هذا الانهيار الكثير من الاهتمام الغربي، لكن لم يكن هناك نفس القدر من الاهتمام بالتحاليل المستمرة للدور الأميركي في ذلك.

رغم توفر التحاليل المنطقية التي تتناول العوامل وراء ذلك الانهيار المدوّي، يغيب التحقيق في أسباب غياب الجهود الأميركية من أجل بناء جيش عراقي قابل للحياة. وحتى نتمكن من فهم المسألة يجب الرجوع إلى شهر مايو 2003 وقرار بول بريمر، القنصل الأميركي في العراق، القاضي بحل الجيش العراقي المتمرّس.

نتيجة لقرار بريمر، الذي تعهد وفريقه بتأسيس جيش عراقي من الصفر، رُمي بـ400 ألف عراقي مدرب عسكريا إلى الشوارع دون عمل. وكانت تلك هي الوصفة المثالية لخلق حركة تمرد وذلك بانضمام بعض هؤلاء الناس الشاعرين بالإهانة والمرارة إلى مجموعات مقاومة مختلفة ضد الجيش الأميركي. وفيما بعد انضم بعضهم إلى صفوف داعش ومنهم من كان قد تولى أعلى مستويات القيادة في جيش صدام.

ما هي أسباب فشل الجيش العراقي؟

 

أهم سبب يرجع أساسا إلى غياب الروح والاستعداد لمحاربة العدو لدى الجيش العراقي، وهو في الحقيقة شرط أساس للنجاعة العسكرية. في مقابل ذلك امتلك مقاتلو داعش تلك الروح على الأقل في الوقت الراهن. وهذا يمثل إخفاقا من الدرجة الأولى. لكن لماذا أنتجت الجهود الأميركية المتواصلة لتدريب الجيش العراقي وتسليحه هذه الثمرة المرّة؟ الجواب بكل بساطة هو التالي: خلق قوة محتلة لجيش فعّال وموحد من شعب غير موحد وناقم على السلطة.وفي ما يتعلق بالمهمة الأميركية في تدريب الجيش العراقي هناك أربعة دروس مهمة يجب تعلمها:

 

1. التدريب العسكري: مهما كان مكثفا، والأسلحة، مهما كانت متقدمة وقوية، لا يعوضان الإيمان بالقضية. ذلك الإيمان هو ما يغذي التماسك ويعزز الروح القتالية. لقد حارب داعش بقناعة لم يمتلكها الجيش العراقي المجهز والمدرب جيدا لأن هذا الأخير تنقصه قضية ملزمة تشترك فيها كافة العناصر.

هذا لا يعني أن داعش لديه قضية خالصة وعادلة، بل يبدو أن الأمر يتكون من خليط من الانتهازية والأصولية الدينية والثأر الطائفي والطموح السياسي. لكن إلى حد الآن برهن هذا الخليط أنه ملزم لمقاتلي التنظيم، في حين يبدو أن قوات الأمن العراقية مرتكزة فقط على الحفاظ على الذات.

 

2. لا يمكن للتدريب العسكري وحده أن ينتج الولاء لحكومة مختلة وظيفيا وغير موحدة وغير قادرة على تسيير البلد بشكل فعال، وهذا هو الوصف المنطقي للحكومة العراقية الشيعية الطائفية. لذا لا يجب أن نتفاجأ برفض قوات الأمن الامتثال للأوامر. وبالطبع يمكن حل هذا المشكل عبر تشكيل حكومة عراقية تمثل كل الأحزاب الكبرى في المجتمع العراقي تمثيلا عادلا، لكن ذلك يبدو بعيد التحقيق حاليا.

وفي ذات الوقت، الوضع لا يتطلب حلا واحدا يتمثل في المزيد من القوة الجوية الأميركية والأسلحة والمستشارين والتدريب لأن ذلك الحل جرّب من قبل وفشل.

 

3. الحكومة الفاسدة تنتج جيشا فاسدا. وقد وضع مؤشر الفساد لسنة 2013 التابع لمنظمة الشفافية الدولية العراق في المرتبة 171 من بين 177 بلدا شملهم التحقيق. مثلا يعود المصدر الشائع للدخل الإضافي للضباط إلى دفع الجنود نصف رواتبهم رشاوى لضباطهم مقابل البقاء في البيت أو القيام بعمل آخر. هذا إضافة إلى الجنود ‘الأشباح’ أي المسجلين على الورق لكن لا وجود لهم ويقبض الضباط رواتبهم، فضلا عن سرقة المسؤولين للأموال المرصودة للتموين وغيرها من طرق التحيل والسرقة. مثل هذا الفساد ليس جديدا ولا يمثل خبرا ففي سنة 2005 لاحظ جيمس فالوس في مقالة بعنوان “لماذا لا يوجد جيش في العراق” أن من بين المبلغ الجملي لعقود الأسلحة العراقية المقدرة بـ1.3 مليار دولار صرفت 500 مليون دولار رشاوى ومكافآت وعمليات تحيل.

 

4. جهل الأميركيون بالثقافة العراقية أضر بنتائج التدريبات. هذا الجهل انعكس في استعمال الجنود الأميركيين الشائع لعبارة “حاجي” لمخاطبة الرجل العراقي، والاحتقار في استعمال عبارات مثل “المعمم”، وإطلاق النار بشكل عشوائي والسلوك العدائي المفرط.

وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد كان مشاركا في ذلك الاحتقار وتكلم باستعلاء عن الحاجة إلى نزع “عجلات التدريب” من دراجة الدولة العراقية وترك العراقيين يقودونها بأنفسهم.

بعد عقد من الزمن أظهر الجنرال جون آلان موقفا مشابها في مقال كتبه يدعو إلى تدمير تنظيم داعش. بالنسبة إليه الشعب العراقي أرواح “مشردة مسكينة” لكن يمكن أن تخدم القوة الأميركية بشكل جيد.

ويعني ذلك أن العراقيين يمكن أن يتلقوا الرصاص ويصبحوا ضحايا في حين تكتفي الولايات المتحدة بتقديم المشورة والمساندة الجوية. وهذا المزيج الذي أظهره الجنرال آلان لا يبشر بخير في ما يتعلق بالعمليات ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

يبدو داعش بالنسبة إلى الكثير من الأميركيين النسخة الإسلامية الأحدث للتهديد الشيوعي القديم، مجموعة سيئة تجب مطاردتها والقضاء عليها.

هذا بالطبع أمر حاولت الولايات المتحدة فعله في المنطقة أولا مع صدام حسين في سنة 1991 ومرة أخرى في سنة 2003، ثم ضد أعمال تمرد سنية وشيعية وحاليا ضد داعش.

 

ماذا بعد؟

 

اعتبارا لنموذج ‘تهديد طريقة عيشنا’، ليس الانسحاب خيارا مطروحا. فالانسحاب يعني أن تخلّف وراءك الكثير من إراقة الدماء وأفعال فظيعة أخرى.

صحيح أن ذلك صعب، لكن هل ذلك أصعب من القصف الأميركي الذي لا ينتهي، والتعهد بإرسال المزيد من ‘المستشارين’ الأميركيين إلى جانب الأسلحة والأموال، مع المزيد من الجنرالات الأميركان يقدمون أنفسهم على أنهم منسقون للشؤون العراقية؟ والنتيجة هي بالطبع نفسها كالعادة.

الشيء الواضح الوحيد هو أن الجيوش الأجنبية التي تستثمرواشنطن الكثير من الأموال والوقت والمجهود في تدريبها لا تتصرف على أساس أن أعداء أميركا هم أعداؤها. وعلى عكس السلوك الذي توقعه دونالد رامسفيلد، عندما تنزع الولايات المتحدة “عجلات التدريب” من جيوشها العميلة فهذه الأخيرة تقود الدراجة بشراسة (إذا قادتها أصلا) نحو اتجاهات غير متوقعة بالكامل وعادة لا يرغب فيها ممولوها الأميركيون. وإن لم يكن ذلك دليلا واضحا على إخفاق السياسة الخارجية الأميركية فما هو إذن؟

مقدم متقاعد في جيش الطيران الأميركي وأستاذ تاريخ