أموال مبدّدة في العراق

13:50

2014-10-18

مروان إسكندر

نشرت صحيفة "النيويورك تايمس" مقالاً في تاريخ 2014/10/13 بعنوان"Investigation Into Missing Iraqi Cash Ended In Lebanon Bunker" عن اموال عراقية مفقودة انتهت في مغارة في لبنان. وأوردت الصحيفة تحقيقا منسوباً الى Stuart W Bowen وهو خبير مقرب من الرئيس بوش الابن الذي كلفه تقصي ظروف شحن 14 مليار دولار نقداً الى العراق خلال عام 2003 وحتى حزيران 2004، اضافة الى تحويلات مصرفية بقيمة خمسة مليارات دولار، تحول أكثرها في شهر حزيران 2004 قبيل انتهاء مهمة بول بريمر الذي عهد اليه الرئيس الاميركي في الاشراف على اطلاق عملية اعادة اعمار العراق. وكل ما فعله انه سرح الجيش العراقي والموظفين البعثيين، وتالياً أفرغ العراق من جهازه الرسمي للمحافظة على الامن وتسيير شؤون الناس.
واستناداً الى Bowen، نقلت الاموال النقدية بطائرات عسكرية ورحلات متكررة من أجل تغطية حاجات ملحة للموظفين المتبقين في العراق، لكن مساعي Bowen لكشف بنود الانفاق لم تؤد الى نتيجة، وهو يقول إن الاهتمام الاميركي الحقيقي بالموضوع كان شبه معدوم خلال ولاية جورج بوش، وانعدم كلياً خلال رئاسة باراك أوباما.
على رغم عدم اكتشافه أوجه الانفاق، يدعي Bowen ان خبيراً من فريقه يحمل الجنسيتين اللبنانية والاميركية هو وائل الزين أفاده ان 1,2 مليار دولار نقداً وما يساوي 200 مليون دولار من الذهب نقلت الى مخبأ في لبنان في منطقة البقاع، وان محقّقين ارسلهما الى لبنان للتحقق من هذا الامر لم يتوصلا الى أي نتيجة، على رغم انهما اجتمعا بالمدعي العام سعيد ميرزا، الذي افادهما ان تعاونه مرهون بطلب رسمي تقدمه السلطات الاميركية أو السلطات العراقية، ولم يقدم أي طلب رسمي من الدولتين.
ويوضح Bowen أن السلطات الاميركية لم توفر أي دعم لاستكشاف مصير الاموال، وهو يقدر ان مليارات الدولارات حولت من العراق بشكل غير قانوني، ويرى ان عدم الاهتمام الرسمي الاميركي كان يعود الى ان الاموال المشار اليها توافرت من أموال عراقية مجمدة منذ تاريخ ايار 2003 من اجل تخصيصها للاغراض الانمائية في العراق بعد الحرب التي اطاحت صدام حسين.
الموقف ذاته واجهه الخبير الاميركي الذي كلفه رئيسه استكشاف مصير الاموال مع السلطات العراقية، وهو يدعي انه حادث رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي لم يتابع الموضوع بل اكتفى بلوم الاميركيين على طريقة ادارتهم الاشراف على استخدام الاموال التي تحولت نقداً في غالبيتها من حساب العراق المجمد أصلاً في الولايات المتحدة.
والاغرب ان وزارة الخزانة الاميركية التي تلاحق المصارف في حال تسهيلها تحويلات بالدولار من دون تبرير، أبلغت Bowen أن لا علم لها بهذه التحويلات، وكذلك الامر بالنسبة الى وكالة الاستخبارات المركزية.
على رغم حديث Bowen عن عشرات المليارات من الدولارات التي يقدر انها تحولت من العراق الى جهات مجهولة، فهو يشدد على موضوع الـ1,2 مليار دولار التي يقول إن أحد المتعاقدين معه على متابعة هذه القضية اللبناني الاميركي وائل زين أفاده عن نقلها الى لبنان، وهذا شاب متخصص بشؤون المعلوماتية، اضافة الى حيازته الماجستير في العلوم المالية وقد عمل فترة مع سمير منصور على معالجة قضايا مالية واجهت بنك بيروت والرياض قبل دمجه ببنك بيروت.
ان اهمال موضوع التحويلات النقدية، وادعاء Bowen أن ادارة بريمر كانت متقاعسة في ضبط الحسابات وتسجيل التحويلات، سبقهما اطفاء لموضوع ربما أكثر خطورة للأميركيين. فالقضية التي أفصح عنها Bowen تخص أموالاً عراقية في المقام الاول، وتالياً ليس هنالك هدر لأموال المكلفين الاميركيين، الامر الذي يستدعي مداخلة الكونغرس وتشكيل لجان من مجلس النواب الاميركي لدرس موضوع الهدر.
التبديد الاكثر خطورة تبدى في انفاق الجيش الاميركي 16 مليار دولار على شراء مشتقات نفطية ضرورية لتسيير عملياته في العراق. فقد وقع الجيش اتفاقاً مع شركة Halliburton لتزويده مشتقات نفطية بقيمة 16 مليار دولار، ويبدو ان تسليم الكميات المتعاقد عليها لم يتحقق، ومع ذلك لم تأخذ اجراءات التحقق من هذا الهدر مجراها وان تكن هنالك مؤشرات للبدء بالتحقيق فيها.
ولعل اطفاء موضوع Halliburton يعود الى ان رئيس هذه الشركة كان في تاريخ التعاقد نائب الرئيس الاميركي السابق ديك تشيني، وحن بدأ التحقيق في الموضوع قررت ادارة هذه الشركة نقل مركزها الرئيسي من ولاية تكساس الاميركية الى دبي حيث الاجراءات القانونية في موضوع الهدر ربما أقل صرامة.
والتحقيق مع شركة Halliburton كان سيطاول عقوداً انجزتها مع شركة Black Water المختصة بتأمين خدمات عسكرية لوجستية، منها حماية المواكب الرسمية وحتى العسكرية، وهذه الشركة ارتكبت حوادث تسببت بمقتل 17 عراقياً لا ذنب لهم في التصدي لهم او أي موكب كانت ترافقه مجموعة من حراس هذه الشركة، وقد ادى هذا الامر الى ايقاف اعمال شركة Black Water في العراق، واحراج شركة Halliburton التي تعاقدت على استقدام مرتزقة هذه الشركة الى العراق. ولا شك في ان تشيني، نائب الرئيس بوش الابن، والذي كان له الدور الاكبر في تحفيز بوش على مهاجمة العراق، من دون وجود اسلحة للدمار الشامل، بذل جهده لتغطية قضية الـ16 مليار دولار لمنتجات نفطية لم تسلم كما تصرف مرتزقة Black Water في حق العراق والعراقيين.