بين الانتصار للبنان.. والانتصار على لبنان

17:21

2014-10-17

خير الله خير الله

يبدو «حزب الله» مصرّا على الإنتصار على لبنان. الدليل كلّ ممارساته الأخيرة، بدءا برفض تسليم المتهمين بتنفيذ عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه (ومن قبل ذلك)، وصولا إلى الهرب من سوريا إلى التحرّش بإسرائيل. لا يقيم أي اعتبار للدولة اللبنانية التي يعاملها باحتقار وازدراء، كأنّها عدوّه الحقيقي.

يفعل ذلك، على الرغم من أن أمامه خيارا آخر كان يمكن أن يسهّل عليه الخروج من الأزمة العميقة التي يمرّ بها. كان في استطاعته، بكلّ بساطة، الإنتصار للبنان الذي هو في نهاية المضاف ضمانة لكلّ المواطنين اللبنانيين بدل العمل اليومي الدؤوب على تدمير البلد ومؤسساته الواحدة تلو الأخرى.

ماذا يفعل «حزب الله» في سوريا ولماذا يشارك في ذبح الشعب السوري؟ السؤال قديم ـ جديد، وهو في غاية الوضوح ويفترض أن يكون الجواب في المستوى نفسه من الشفافية.

ذهب الحزب إلى سوريا لسبب في غاية البساطة يتمثّل في أن ايران طلبت منه ذلك. ليس في استطاعة الحزب الذي ليس في نهاية المطاف سوى ميليشيا مذهبية وجزء لا يتجزّأ من «الحرس الثوري» الإيراني سوى الإنصياع لما يصدر عن طهران «مهما كلّف الأمر».

لعبت ايران، إن عبر ممارساتها في العراق أو عبر تدخلها المكشوف إلى جانب النظام السوري، دورا في انتعاش «داعش» وذلك من منطلق مذهبي بحت. كان الهدف من اطلاق «داعش» مجددا، في مرحلة معيّنة، ابتزاز الأميركيين عندما كانوا في العراق. بعد ذلك، أي بعد اشتعال الثورة في سوريا، صارت «داعش» تخدم النظام الذي اراد إظهار نفسه في مظهر من يحارب الإرهاب!

من هذا المنطلق، عمل هذا النظام على اطلاق ارهابيين من سجونه، فيما ضغطت ايران على حكومة نوري المالكي، السعيدة الذكر، من أجل اخراج ارهابيين آخرين من الطينة ذاتها من السجون العراقية.

لم يدرك النظامان الإيراني والسوري أنّ لعبة «داعش» سترتد عليهما عاجلا أم آجلا. لم يدرك «حزب الله» أن هذه اللعبة سترتد عليه أيضا وأن تجاهل الحدود بين لبنان وسوريا بحجة حماية قرى شيعية ثمّ بحجة حماية المزارات الشيعية سيفتح الأبواب أمام ازالة الحدود بين سنّة العراق وسنّة سوريا.

من يلعب لعبة اثارة الغرائز المذهبية ويستثمر فيها، لا يمكن أن يحصد شيئا آخر غير امتداد نار هذه اللعبة اليه.

ليس بالسعي إلى فتح جبهة شبعا مع إسرائيل، من دون علم الدولة اللبنانية، يمكن التغطية على قرار الذهاب إلى سوريا الذي ادى إلى حصول ما حصل في بريتال أخيرا. مثل هذه التصرّفات تكشف «حزب الله» ومدى عمق الأزمة التي يمرّ فيها، وهي أزمة الإرتهان لإيران أوّلا. على من يتصرّف تصرّف «داعش» في سوريا أن يتوقّع الأسوأ. والأسوأ هنا وصول «داعش» إلى مناطق لبنانية وشنّها هجمات على مواقع لـ«حزب الله» بعدما اسرت قبل ذلك جنودا لبنانيين في عرسال...

لماذا على لبنان تحمّل النتائج الكارثية المترتبة على ما يرتكبه «حزب الله» في سوريا؟ إنّه السؤال الذي يهرب منه الحزب الذي يصرّ على رفض احترام ذكاء اللبنانيين من جهة ورفض تحمّل مسؤولياته تجاه المواطنين من كلّ الطوائف والمذاهب والمناطق، بما في ذلك ابناء الطائفة الشيعية الكريمة من جهة أخرى.

يجد لبنان نفسه أمام وضع لا يحسد عليه بعدما تبيّن للمرّة الألف أنّ «حزب الله» لا يستطيع أن يكون أكثر من اداة ايرانية. فلو كان الحزب صادقا مع نفسه ومع اللبنانيين، لكان اعتذر عن كلّ ما قام به في الفترة الماضية. ذلك أن كلّ تصرّفاته صبّت في خدمة مشروع افقار لبنان ونشر البؤس فيه وتهجير اهله واثارة الغرائز المذهبية.

ما الهدف من جريمة اغتيال رفيق الحريري المتهم الحزب بها؟ ما الهدف من افتعال حرب صيف العام ؟ ما الهدف من الإعتصام وسط بيروت؟ ما الهدف من دعم النظام السوري، الذي افتعل حرب مخيّم نهر البارد في شمال لبنان وراهن عليها، بواسطة فصيل «داعشي» اسمه «فتح الإسلام»؟ ما الهدف من غزوة «حزب الله» لبيروت والجبل التي ولّدت جرحا مذهبيا قد لا يندمل؟ ما الهدف من اسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري وتشكيل حكومة تابعة لإيران برئاسة نجيب ميقاتي؟ ما الهدف من السعي إلى توريط الجيش اللبناني في عرسال؟ ما الهدف من التدخل في سوريا إلى جانب نظام يذبح شعبه يوميا؟ ما الهدف من منع انتخاب رئيس جديد للجمهورية في لبنان؟

هذا غيض من فيض ارتكابات «حزب الله» الذي وافق على كلّ كلمة في القرار الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والذي أوقف العمليات العسكرية صيف العام .

هناك خيط غليظ يجمع بين كلّ هذه الأحداث. تجسّد هذا الخيط الرغبة في الإساءة إلى لبنان وأهله وتكريسه «ساحة» ايرانية. لو لم يكن الأمر كذلك، لكان القرار الذي جعل جنوب لبنان ينعم بثماني سنوات من الهدوء والإستقرار، انسحب ايضاعلى طول الحدود بين لبنان وسوريا.

يبدو كافيا أن يكون قرار «حزب الله» رهينة لدى ايران كي يصبح لبنان كلّه رهينة لديها وكي يكون هدف الحزب، وهو هدف ايراني، الإنتصار على لبنان بدل الإنتصار للبنان.

ما نشهده حاليا فصل آخر من المأساة اللبنانية التي بدأت في العام عندما أجبر العرب لبنان على توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم الذي سمح للمسلحين الفلسطينيين بتدمير السيادة والسيطرة على غير منطقة لبنانية. دخل لبنان في دوامة لم يخرج منها إلّا بعد صدور القرار الذي أتى بالقوة الدولية المعززة واعاد الجيش اللبناني إلى جنوب لبنان. هل ينجح «حزب الله» بنسف القرار بدل العمل على جعله يشمل الحدود مع سوريا ويغطيها؟

ربّما كان السؤال الصحيح، هل تريد ايران التخلص من القرار بغية ايجاد مخرج لـ«حزب الله» الغارق إلى ما فوق رأسه في المستنقع السوري؟

المؤسف في الأمر أنّ «حزب الله» ليس صاحب قراره. القرار في طهران. هذا ليس سرّا عسكريا. ليس في الحزب من يستطيع القول بصوت عال أن الإنتصار على لبنان ليس بديلا من الإنتصار على إسرائيل.

المؤسف ايضا أن لا همّ لدى ايران سوى ايران ومصالحها. لبنان ليس سوى «ساحة». يستطيع «حزب الله» الدفاع عن النظام السوري وخوض معاركه حتّى آخر لبناني وسوري وعراقي...أمّا لبنان ومستقبل ابنائه فهو تفاصيل. يبدو أنّ «حزب الله» وجد أصلاد لهذا الغرض لا غير.