ليس دفاعاً عن تركيا

17:09

2014-10-17

علي العبد الله

أثار الموقف التركي من الاشتراك في عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» الإرهابي في سورية والعراق، والشروط التركية للمشاركة فيها أسئلة كثيرة، وقد زاد من حدة الأسئلة واستنكاريتها ما يحصل من قتل وتدمير وتهجير في مدينة عين العرب/ كوباني الكردية.
ماذا وراء التحفظ التركي؟
قالت تصريحات وتحليلات كثيرة، خصوصاً كردية، إن لموقف تركيا علاقة مباشرة بالملف الكردي، وإنها استثمرت في «داعش» لتحجيم النهوض الكردي وضرب تجربته «الديموقراطية» التي أطلقها بإنشاء كانتونات الحكم الذاتي في سورية، وها هو ذا النظام التركي يقف متفرجاً على المذبحة في كوباني للضغط على الكرد وقواهم السياسية للقبول بمطالبه مقابل التدخل عسكرياً لمنع سقوط المدينة بيد الإرهابيين.
مع التسليم بوجود العامل الكردي في خلفية الموقف التركي، فإن هذه القراءة غير كافية لتفسره بأبعاده المحلية والإقليمية والدولية. لذا، كي نحدد دوافعه لا بد من أخذ كل العوامل والنظر في خلفياتها وانعكاساتها عليه بدءاً من الوضع المتفجر في الإقليم وخلفيته المذهبية إلى التوجهات الدولية في شأنه، والتي تثير هواجس النظام التركي ومخاوفه، إن لجهة تعزيز مواقع أعدائه أو نقل التوتر والصراع إلى حديقته ووسط داره. فتنظيم «داعش» الإرهابي لم يأتِ من الفضاء الخارجي، بل نشأ ونما تحت أنظار القوى الإقليمية والدولية التي استثمرت في الظاهرة لاعتبارات آنية ومن دون التفات إلى المترتبات والنتائج المستقبلية الخطيرة التي ستنعكس سلباً على الأمن والاستقرار في الإقليم كله.
فالنظام السوري وحلفاؤه الروس والإيرانيون وجدوا في التنظيم الإرهابي حليفاً موضوعياً في ضوء استهدافه قوى المعارضة واستيلائه على المناطق المحررة من جهة، وإعطائه صورة سلبية عن الثوار السوريين كمجموعات تكفيرية إرهابية من جهة ثانية.
الولايات المتحدة وجدت في التنظيم فرصة لخلط الأوراق ومد عمر الصراع لحسابات إقليمية ودولية (المفاوضات النووية مع إيران والمواجهة مع روسيا في أوكرانيا). الدول العربية المعنية وتركيا فاجأها التنظيم الذي مر تحت نظرها ويديها.
غير أن الصدمة التي حدثت باستيلاء التنظيم على عدد من المدن العراقية أسقطت الرهانات السابقة وأجبرت الأطراف الإقليمية والدولية على إعادة حساباتها وترتيب أولوياتها، وهذا اضطر الإدارة الأميركية لتعديل موقفها والانخراط عسكرياً في الصراع، ومحاولة خلق توافقات وإجماع على محاربة التنظيم وضبط التوترات والانفجارات السياسية التي فجرتها السياسات الإقليمية المتعارضة (إيران وسعيها للسيطرة على الإقليم وتصعيدها التوتر الطائفي بين السّنة والشيعة، سياسة حكومة المالكي الطائفية والتمييزية، دول الخليج ومخاوفها من التمدد الإيراني وردها عبر الجماعات السّنية، تركيا ودعمها المعارضة السورية، بخاصة جماعة «الإخوان المسلمين»، لتعزيز دورها في سورية ومحاصرة الكرد).
وهذا ما استدعى تشكيل حلف الراغبين لتوفير غطاء سياسي ومالي للحرب وتمريرها من دون قرار أممي بالاستناد إلى دعوة الحكومة العراقية إلى المساعدة في محاربة التنظيم.
إلا أن تشكيل تحالف متماسك وناجح يحتاج إلى توافق على الأهداف والوسائل، وهذا ما أحجمت الإدارة الأميركية عن طرحه وسعت لفرض قرارها ومطالبها على الحلفاء. من هنا، ثارت الشكوك وتحركت الهواجس والمخاوف ونشأت تباينات بين دول التحالف، وتناقضات بين التحالف والدول المستبعدة (إيران، روسيا، الصين)، على الأهداف والوسائل والمصالح. تركيا من الدول التي تعاطت بفتور مع الدعوة الأميركية إلى تشكيل التحالف حيث رفضت التوقيع على بيان جدة ورفضت منح القوات الأميركية حق استخدام أراضيها في تنفيذ عملياتها ضد التنظيم، والتعديل الذي جرى على موقفها بعد لقاءات الرئيس التركي مع المسؤولين الأميركيين خلال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك لم يكن محدداً وحاسماً، حيث طرح بصيغ ملتبسة ومجزأة وكأنه يقدم خطوة في انتظار خطوة من الطرف الآخر: الإدارة الأميركية.
وحتى مع الضغوط العالية والمتكررة، وإغرائها بتكليفها تدريبَ قوات المعارضة السورية المعتدلة، وتحريك العامل الأخلاقي بتوظيف مأساة المواطنين الكرد في كوباني، لم تنجح واشنطن في دفع تركيا خارج دائرة حذرها وحساباتها الخاصة.
في الحسابات التركية هواجس ومخاوف من توجهات الإدارة الأميركية وموقفها من النظام التركي في ضوء التأييد الأميركي لإسرائيل بعد حادثة أسطول الحرية لكسر الحصار عن غزة ومقتل المواطنين الأتراك على أيدي القوات الإسرائيلية وضغطها على تركيا لإعادة العلاقات والتخلي عن شروطها لتحقيق ذلك، وتصريحات السفير الأميركي في تركيا ضد سلوك النظام أثناء تظاهرات ساحة «تقسيم» ومواجهتها من جانب الشرطة باستخدام القوة المفرطة، إلى ما تقوله أنقرة عن تحريض أميركي لفتح الله غولن، والحملة الإعلامية الضارية ضدها تحت راية كشف الفساد والفاسدين، التي اعتبرتها ضغوطاً لإضعافها وضرب دورها الإقليمي والدولي.
وكان الموقف من النظام السوري النقطة الأبرز في الخلاف بينهما حيث تبنت كل منهما خياراً مختلفاً، فتركيا مع دعم المعارضة السورية كي تحقق هدفها في إسقاط النظام بينما الإدارة الأميركية مع استنزافه لإقناعه بالقبول بحل وسط، وقد تجسد ذلك في الضغط الأميركي لتحديد سقف الدعم المقدم للمعارضة السورية، كماً ونوعاً، والالتزام بالرؤية الأميركية للصراع، وتحرك واشنطن لصوغ المعارضة السورية بجناحيها السياسي والعسكري، بحيث لا تكون في السلة التركية عبر العمل على تحجيم دور حلفائها.
وهذا، إضافة إلى وقوف واشنطن إلى جانب الحكومة العراقية في مسألة تصدير نفط كردستان العراق وبيعه عبر تركيا ودخول واشنطن في مفاوضات سرية مع إيران من دون اطلاع تركيا أو أخذ مصالحها في الاعتبار، كرّس الخوف والقلق التركيين.
في اللقاءات والحوارات التي جرت من أجل تشكيل التحالف الدولي، تصرفت واشنطن كصاحب قرار ولم تضع الحلفاء المفترضين في صورة موقفها واستراتيجيتها، بل ركزت على دعوتهم إلى المشاركة ودعتهم إلى القيام بمهام محددة. لذا، لم تجد تركيا ما يحفزها للقيام بذلك في ضوء حساباتها ومصالحها الوطنية ومخاوفها من تداعيات الحرب على الإرهاب على ملفات ما زالت مفتوحة، من ملف المصالحة الوطنية مع الكرد إلى مستقبل الوضع في سورية والحالة الكردية فيه. وهذا دفعها إلى التمسك بتحفظها والإصرار على أخذ مخاوفها وهواجسها في الاعتبار والاتفاق على هدف الحرب، وعلى مستقبل الوضع في سورية، بحيث تحافظ على دورها ومصالحها في سورية الجديدة ولا تجد نفسها أمام كيان كردي جديد على حدودها الجنوبية، فوضعت تصورها القائم على منطقة آمنة وحظر طيران وإسقاط النظام السوري كأرضية لتدخلها.