القصة سمعها الرئيس!

17:07

2014-10-17

سليمان جودة

فيما قبل 25 يناير 2011، طلب الدكتور يوسف بطرس، وزير المالية وقتها، وأفضل وزير مالية فى المنطقة فى وقته، من الأستاذ محمود عبدالله، أن يتولى قطاع التأمين، فتولاه فعلاً، ووصل به إلى موقع متقدم قياساً على ما كان عليه من قبل.
وفيما بعد 25 يناير، اكتشف محمود عبدالله، فى لحظة، أنه متهم بإهدار المال العام فى إصلاح القطاع الذى تولى مسؤوليته ونهض به، فأحس الرجل الذى - بالمناسبة - لا أعرفه، بأن المطلوب هو عقابه، لأنه أصلح قطاعاً كان ينحدر يوماً بعد يوم!.. فماذا فعل؟!
حمل أشياءه كلها، وغادر البلاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يعيش منذ ذلك الوقت، ولابد أنه لا يفكر فى العودة الآن، وإذا فكر، فسوف يكون ذلك عندما تكون لدى الدولة المصرية معايير واضحة للعقاب، وللثواب، وعندما تكون لديها رؤية أوضح، عما تريده، وكيف يمكن أن تصل إليه!
شىء من هذا قاله «عبدالله» للرئيس، حين التقاه مع آخرين، أثناء زيارة السيسى إلى الأمم المتحدة مؤخراً، وأتصور أن يكون ما سمعه الرئيس من المسؤول الأسبق عن قطاع التأمين حافزاً، لأن يعيد رأس الدولة، بجدية وبسرعة، التفكير فى الطريقة التى تعاملت بها أجهزة فى الدولة، بعد 25 يناير، مع كل الذين أدوا خدمة عامة قبلها، بما جعل الذين نجوا منهم من الحبس يفرون إلى الخارج، ويقدمون حالياً خلاصة خبراتهم وتجاربهم لكل عاصمة على وجه الأرض، إلا أن تكون هذه العاصمة هى القاهرة.. مع أنها أولى وأحق!!
أعرف مسؤولاً محترماً تولى أكثر من موقع، قبل 25 يناير، ولم يستطع أحد أن يثبت فى حقه أنه حصل على جنيه واحد من المال العام، دون وجه حق.. ولا جنيه واحد.. ومع ذلك، فمن هول ما رأى الرجل فى حق زملاء له، لا ذنب لهم إلا أنهم شاركوا فى العمل العام فى البلد، أصبح يرفض، ليس فقط المشاركة ولو بالرأى، فى خدمة بلده، وإنما صار يأنف الظهور، مجرد الظهور، فى أى مناسبة عامة، مهما كانت المغريات!
وقد وصل به الحال إلى أنى سمعت منه، ذات يوم، أنه يتمنى لو يعتبره الناس قد مات، فلا يذكرونه بخير، ولا بشر!!
قالها الرجل فى وجهى، رغم أنه لم يذهب إلى جهة من جهات التحقيق، ورغم أنه ليس مداناً فى أى شىء، ورغم أنه لايزال فى البلد لم يغادره.. فما بال الذين ترددوا على جهات التحقيق، وما بال الذين تعرضوا لبهدلة لم تخطر لهم على بال، وما بال الذين ذهبوا إلى الحبس، وما بال الذين فروا لينجوا بجلودهم؟!
ما أريد أن أقوله إن الشخص، أى شخص، إذا كان مداناً فى إهدار قرش واحد من المال العام، فلا أملك أنا، ولا يملك غيرى، أن يدافع عنه بكلمة.. كلمة واحدة.. أما أن يعيش العشرات من الرجال، داخل البلد وخارجه، منذ ذلك التاريخ، دون أن يكونوا مدانين، ولا مبرأين، فهذا ما لا يجب أن يكون أبداً، لأن معناه ليس فقط أن المسؤولين الحاليين لن يجرؤ واحد منهم على التوقيع على ورقة، وإنما معناه أنك سوف تحرم البلد من خبرات وتجارب كثيرين، أنفق عليهم البلد نفسه، حتى تعلموا واكتسبوا خبراتهم وتجاربهم، فإذا بهم، فى النهاية، يضعونها فى خدمة كل البلاد من حولنا، إلا بلدهم.. فنحن أحوج أهل الأرض إلى أن نستفيد منهم، لا إلى أن نطاردهم!
وإذا كنت سوف ترى أنى أبالغ، فراجع من فضلك حالة محمود عبدالله، ثم حالة المسؤول الذى تمنى من قلبه لو يعتبر الناس أنه قد مات، فلا يتذكرونه، ولا يذكرون اسمه فى أى محفل!