«عين العرب» تفضح المخطط الأمريكى - التركى ضد سوريا (1-2)

13:47

2014-10-14

مصطفى بكرى

بين لحظة وأخرى، باتت مدينة «عين العرب» السورية واسمها بالكردية «كوبانى» على وشك السقوط، بعد حصار للمدينة بدأ منذ السادس عشر من سبتمبر 2014..

مضت الأيام ثقيلة، انتظر سكان المدينة تدخل التحالف الدولى الذى تقوده الولايات المتحدة ضد «التنظيم»، إلا أن ذلك لم يحرك ساكناً، بل كان من نتيجته هروب أكثر من مائتى ألف من سكانها إلى منطقة الحدود التركية - السورية.

ومدينة «عين العرب» التابعة لمحافظة حلب فى الشمال السورى تقع على بعد نحو ميل واحد من الحدود التركية - السورية، حيث تضم حولها نحو 365 قرية، نزح أغلب سكانها إلى مناطق الحدود..

لقد قيل منذ البداية إن مقاتلى التنظيم الإرهابى «داعش» استهدفوا هذه المدينة وقراها بهدف الاستيلاء على المنفذ الحدودى المهم مع تركيا، وذلك لمنع مقاتلى المعارضة الذين تدعمهم تركيا من تلقى المعونات اللوجيستية، حيث يبقى «داعش» وحده المسيطر على المناطق التى تمكنت المعارضة السورية من الاستيلاء عليها فى أوقات سابقة..

وهناك وجهة نظر أخرى تقول إن اتفاقاً جرى بين «داعش» وحكومة «أردوغان» يقضى بترك «داعش» ينفذ مخططه للقضاء على الأكراد وإخضاعهم لسيطرته، خاصة بعد أن لاحت فى الأفق مؤخراً محاولات لإقامة دولة كردية على الحدود مع تركيا، يمكن أن تشكل لها صداعاً مزمناً، خاصة أن غالبية الأكراد البالغ تعدادهم نحو 30 مليوناً موجودون داخل الأراضى التركية..

ومنذ بداية الهجوم على هذه المدينة التراثية التاريخية انطلقت المناشدات تحذر من خطورة مذبحة مقبلة سوف يدفع فيها سكان المدينة من الأكراد وغيرهم ثمناً فادحاً، إلا أن العالم التزم الصمت، دون أى تحرّك قوى وفاعل يضع حداً لهذه الهجمة وعلامات الاستفهام المثارة حولها.

وفى الوقت الذى حاصرت فيه قوات «داعش» المدينة، وتمكنت من السيطرة على نحو 40٪ منها، بعد أن زحفت إلى شرق المدينة، وتقدمت نحوها من جهتى الجنوب والغرب، وصولاً إلى وسطها، لم يحرك التحالف الدولى ساكناً، سوى ضربات للطيران متقطعة وغير مجدية، الأمر الذى لم يحُل دون تقدم مقاتلى «التنظيم»..

لقد أقر البرلمان التركى بأغلبية كبيرة مشروع قرار حكومى يجيز للجيش تنفيذ عمليات عسكرية ضد تنظيم داعش فى سوريا والعراق، ويسمح للتحالف الدولى الذى تقوده الولايات المتحدة ضد هذا التنظيم باستخدام الأراضى التركية والقواعد العسكرية فى أى عمليات عسكرية محتملة، وكان يمكن أن يمثل ذلك فرصة لتدخل القوات التركية ضد محاولات «داعش» للسيطرة على «عين العرب» وإنقاذ مئات الآلاف من سكانها الأكراد، إلا أن ذلك لم يحدث، وكأنه جاء ليزيد علامات الاستفهام تعقيداً..

لقد شهدت العديد من مدن جنوب شرق تركيا، «ماردين وشرناق وبطمان» وغيرها مظاهرات عارمة نظمتها أحزاب وقوى كردية، مطالبة تركيا بالتدخل لإنقاذ الأكراد أو السماح لهم بعبور الحدود، إلا أن قوات الأمن التركية تصدّت للمتظاهرين وقتلت العشرات منهم، واستخدمت كل أساليب العنف والقوة لردعهم، كما أعلنت الحكومة حظر التجول فى ست ولايات تركية شهدت هذه المظاهرات.

وعندما وجه حزب العمال الكردستانى الدعوة إلى مقاتليه، بالتوجه إلى مدينة «عين العرب» تحركت القوات التركية لتحول دون وصول المقاتلين لإنقاذ المدينة المحاصرة، مما دعا عبدالله أوجلان زعيم الحزب والمسجون فى تركيا إلى التهديد بإلغاء اتفاقية السلام بين حزب العمال الكردستانى والحكومة التركية، والغريب فى الأمر أنه ومع تقدم تنظيم داعش للاستيلاء على المزيد من أراضى منطقة «عين العرب» (كوبانى)، لم يكن هناك فى المقابل رد عملى يُذكر لمواجهة محاولات «التنظيم» للاستيلاء على المدينة السورية التاريخية.

لقد صرح وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى فى 9 أكتوبر 2014 بأن تقدم مسلحى تنظيم الدولة (داعش) فى بلدة «عين العرب» الحدودية السورية يمثل مأساة، لكنه لن يثنى الولايات المتحدة وحلفاءها عن مواصلة استراتيجيتهم فى المنطقة على الأمد الطويل.

وقال «كيرى» فى تصريحات صحفية فى «بوسطن»، إن كوبانى مأساة لأنها تجسد شرور «داعش»، لكن ذلك لا علاقة له بالاستراتيجية أو الإجراءات الكاملة لما يحدث رداً على «داعش».

وقال «كيرى» لم يبق أمامنا سوى بضعة أسابيع لبناء التحالف وما زال يجرى توزيع المهام، والهدف الرئيسى لهذا المجهود هو إتاحة المجال للعراق حتى تكتمل حكومته ويبدأ الهجوم المضاد حتى يمكن حرمان مسلحى «التنظيم» من القيادة والسيطرة ومراكز الإمداد والتدريب، وهذا هو ما يجرى.

وبشر «كيرى» العالم باحتمالية استيلاء «داعش» على المزيد من الأراضى عندما قال «إن بلدات أخرى على الأرجح ضعيفة أمام تقدم تنظيم داعش، بينما الجهود التى تقودها الولايات المتحدة فى المنطقة سوف تستغرق أسابيع وشهوراً لتعمل»!!

وهكذا يكشف «كيرى» مجدداً عن أن التحالف الدولى لن يستطيع التصدى لوقف استيلاء «داعش» على مدينة «عين العرب» أو غيرها من المدن، لأنه يركز فقط على حرمان «داعش» من مراكز القيادة والسيطرة ومراكز الإمداد والتدريب.. متجاهلاً أن تغلغل «داعش» واحتلاله المزيد من المدن والأراضى إنما يصعب من مهمة دحر هذا التنظيم، وهو ما يدفع إلى طرح المزيد من علامات الاستفهام حول أسباب نشأة هذا التحالف الدولى من الأساس!!

لقد سعت واشنطن إلى تحميل تركيا المسئولية الكاملة عن تردى الأوضاع فى مدينة «عين العرب» السورية، ليس فقط لإبراء ساحتها أمام الرأى العام فى الداخل والخارج، وإنما أيضاً بهدف إحراج «أردوغان» أمام الأكراد الذين راحت مدنهم وقراهم تسقط الواحدة تلو الأخرى بيد تنظيم داعش!!

لقد قالت «نيويورك تايمز» إن البيت الأبيض يشعر بمزيد من الإحباط إزاء عدم تحرك تركيا للتصدى لتنظيم داعش ومنع مدينة «عين العرب» الواقعة على الحدود التركية - السورية من الوقوع فى أيدى التنظيم الإرهابى.

ونقلت الصحيفة عن مسئول كبير بالإدارة الأمريكية انتقاداته للحكومة التركية بشأن تقاعسها عن منع وقوع مذبحة على بُعد أقل من ميل واحد من حدودها، مضيفاً أنه على الرغم من اشتعال المأساة الإنسانية فى سوريا فلا يزال الأتراك يخترعون الأسباب لعدم التحرّك لمنع وقوع مأساة إنسانية أخرى.

وقال مسئول أمريكى كبير لقناة «سى إن إن» الأمريكية يوم الأربعاء 8 أكتوبر 2014، إن مدينة عين العرب السورية «كوبانى» التى تخوض قوات كردية فيها مواجهات قاسية منذ ثلاثة أسابيع، ستسقط فى يد المهاجمين من عناصر «داعش»، ولكنه رأى أن ذلك لا يقلق أمريكا كثيراً لأن مهمتها فى سوريا ليست حماية المدن والبلدات!!

وقال المسئول الأمريكى لـ«سى إن إن» كوبانى ستسقط بيد «داعش»، ولكن هذا ليس مصدر قلق كبير لأمريكا، رغم أن ذلك سيسمح لـ«التنظيم» بالسيطرة على كامل الأراضى الممتدة بين «عاصمة خلافة» التنظيم والحدود التركية، التى تبعد عنها أكثر من مائة كيلومتر.

وذكر المسئول الأمريكى «أن هدف الولايات المتحدة من مواجهة «التنظيم» فى سوريا ليس الحفاظ على المدن والبلدات من خطر الوقوع فى قبضة المسلحين، بل القضاء على قادة «التنظيم» ومنشآته النفطية وبنيته التحتية بما يشل قدرته على العمل، خاصة فى العراق».

لقد تساءل البعض عن الأسباب التى تحول دون تدخل تركيا المباشر لإنقاذ منطقة «عين العرب»، رغم الضغوط التى قيل إن التحالف الدولى مارسها ضدها.

وهنا يمكن القول إن التحرك التركى، لا يستهدف إطلاقاً دخول الحرب ضد «داعش»، خاصة أن كثيراً من المعلومات يكشف يوماً بعد يوم الدور الرئيسى والمركزى للحكومة التركية فى صناعة «داعش»، لاستخدامه لتحقيق أهداف مشتركة، بعضها متعلق بالمصالح التركية والآخر مرتبط بالخطة الاستراتيجية للولايات المتحدة فى منطقة الشرق الأوسط.