إيران في ضائقة

13:33

2014-10-14

امل عبدالعزيز الهزاني

بعد ثلاثة أشهر من اندلاع الثورة السورية في مارس (آذار) 2011، كان الجميع يترقب لحظة سقوط النظام الذي كان تحت وقع الصدمة، غير مصدق بأن الناس تجرأت وثارت عليه. في هذا التوقيت، ضاقت الدائرة على بشار الأسد؛ المظاهرات تزداد انتشارا وإصرارا، والمجتمع الدولي ينظر له شامتا. في حالة يأس، خرج ابن خاله رامي مخلوف مصرحا بلا اعتبار للعواقب بأن لا استقرار في إسرائيل إن لم تستقر سوريا. بعدها بثلاثة أيام قامت مظاهرة في القنيطرة حاول خلالها بعض الشبان اختراق السياج الحدودي بين سوريا وإسرائيل، تأكيدا على أن هذه الحدود ظلت طوال الخمسين عاما محمية من قبل النظام السوري. تصريح رامي مخلوف الجريء حمى النظام السوري من الانهيار حتى اليوم، إنما لا يمكن تفسيره إلا بحالة العجز وقلة الحيلة التي كان يعانيها النظام السوري وقتها.
اليوم يعود هذا التصريح على لسان حلفاء الأسد الإيرانيين، فيقول نائب وزير الخارجية بأن سقوط بشار سيقضي على إسرائيل. يمكن أيضا وبوضوح تفسير هذا الاعتراف بأن نظام بشار الأسد هو أحد أهم عوامل استقرار دولة إسرائيل، وأن بشار الأسد يشعر بأن نهايته اقتربت ليس فقط بسبب الضربات الجوية التي ينفذها التحالف الدولي ضد الجماعات المتطرفة في سوريا والعراق، بل أيضا بسبب تحضيرات التهيئة لما بعد سقوط نظام الأسد، والتي يشعر الإيرانيون أنها جادة هذه المرة.
الإيرانيون هددوا تركيا، اللاعب الرئيسي المخول بإطلاق الرصاصة الأخيرة على النظام السوري، بأن تعاونها مع التحالف الدولي سيهدد استقرار تركيا الداخلي. وهذا ممكن بقطع طرق الإمدادات النفطية وتحريض الأكراد داخل تركيا وإيران وعلى الحدود السورية والعراقية. كما أنهم يلوون ذراع الولايات المتحدة بأن أمن إسرائيل مهدد إن سقط نظام بشار الأسد، لإجبار واشنطن على التراجع خطوة إلى الوراء كما حصل بعد استخدام بشار للسلاح الكيماوي.
تتعاظم مشكلات إيران يوما بعد آخر، ومشكلاتها تقلص قدرتها على الاحتفاظ بالنقاط التي أحرزتها. ومهما اجتهدت دعائيا بالترويج لقوتها إلا أن الواقع يقول غير ذلك.
أكثر من عشر سنوات وإيران مهيمنة على مفاصل الدولة العراقية الأمنية والسياسية، ومع ذلك عجزت عن حكم العراق، وجرى طرد وكيلها هناك نوري المالكي شر طردة. وفي اليمن تدعي انتصارا بسقوط صنعاء في يد جماعتها الحوثيين، وهو ما لم يكن سيحصل لولا دعم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، مع ذلك لم ولن تستطيع إيران أن تحكم اليمن أو أن تخضعه لسيطرتها، لا النظام القبلي ولا الاختلاف الآيديولوجي يسمح بذلك. بل إنها لم تقوَ على البحرين، الدولة الصغيرة، رغم الشغب والتظاهر العنيف الذي أشعلته في شوارعها، حيث ألجمت بفعل قوات {درع الجزيرة}. أما في سوريا فإن تشكيل التحالف الدولي لضرب المتطرفين سيرهق الحرس الثوري وحزب الله في معركتهم ضد الجيش الحر، ويعود بهم إلى مرحلة ما قبل إدخال {القاعدة} والتنظيمات المسلحة التي هدد بها رامي مخلوف بداية الثورة.
صحيح أن إيران نجحت في ممارسة التخريب لكنها عجزت عن التحكم والسيطرة.
هذا عدا عن العقوبات الاقتصادية التي ضيقت الخناق على طهران، والتوقع بخفض إنتاج النفط، مع الأموال الطائلة التي تنفقها في سوريا والعراق واليمن ودول الخليج والتي تنذر بعجز في المصروفات الداخلية. كل ذلك أوهن الموقف الإيراني وجعله يبدو مترنحا في وحل النزاعات العربية.
منذ تشكل بادرة التحالف الدولي في مدينة جدة السعودية، وإيران ترقب من عقب الباب إلى مجلس التحالف، تتمنى أن يتم دعوتها للدخول والانضمام إليه، ليس من أجل حماية الشيعة في العراق والعلويين في سوريا من «داعش» المتطرفة سنيا، بل لأن انضمامها للتحالف ينظف سمعتها الدولية التي تلطخت بفعل دعمها للجماعات الإرهابية كحزب الله ونظام بشار الأسد، ويفك عزلتها الدولية التي فرضها عنادها وتمسكها ببرنامجها النووي، ويعيدها إلى صف الراشدين بعد سنوات من السلوك الأخرق.
المشكلة التي تمنع إيران من التحالف أنها لا تلتقي معهم في الرؤية والأهداف، ولأنها تاريخيا تربطها علاقة جيدة بقيادات في تنظيم القاعدة، ومتهمة بتدريب عناصر من «داعش» ولأن لا فرق بين «داعش» وجبهة النصرة التي يحاربها التحالف الدولي وبين حزب الله وعصائب الحق التي تغذيها إيران، فكلهم إرهابيون من وجهة نظر دول التحالف.
إيران تحاول التملق لأميركا، تغريها بفكرة قدرتها على دحر «داعش» في العراق، ادعت أكثر من مرة بأن واشنطن طلبت مساعدتها في هذه المرحلة، ولم يكن يهمها أن هذا الادعاء يمكن إنكاره، لأنها كانت تريد إيصال رسالة للغرب ووصلت. لكن ما شهدته الولايات المتحدة أن إيران لم تستطع حماية العراق من مقاتلي «داعش»، وأن المدن العراقية كانت تسقط الواحدة تلو الأخرى حتى وصل التنظيم إلى بغداد.
تأخرت الولايات المتحدة كثيرا حتى قررت العودة للمنطقة، انكفاؤها كان خطأ فادحا، أعطى ضوءا أخضر للطفيليين أن ينتشروا في أرجاء واسعة. عليها الآن الالتزام بمسؤوليتها كدولة عظمى، وحليفة سياسية واقتصادية لدول مؤثرة في أكثر مناطق النزاع في العالم، وأن تعيد ترتيب الأوراق على ضوء المستجدات الأمنية، وتصحح أخطاء الماضي دون توجيه لوم لأحد، لأن خطأ الغياب أحيانا أعظم من أخطاء الحضور.