لماذا يغيب صوت مصر؟

14:33

2015-09-24

فهمي هويدي

حين تنشر بعض أخبار مصر فى الخارج، وتصبح مثارا للتحليل والتعليق دون أن نجد لتلك الأخبار صدى فى داخل مصر، فإن الأمر يصبح محيرا لمتابع الشأن المصرى. ليس ذلك فحسب وإنما تظل تسمع فيه وتقرأ وجهة نظر واحدة فى حين تغيب وجهة النظر الأخرى. خذ مثلا ما نشرته جريدة «الحياة» اللندنية يوم ٢٠ سبتمبر الحالى تحت عنوان: الجيش المصرى يشق قناة مائية موازية للحدود مع غزة، وفى الخبر أن مصادر عسكرية مصرية ذكرت أن القناة المائية بدأت الجرافات فى شقها بطول ١٣ كيلومترا وعمق تسعة أمتار، وهى مقامة بموازاة الشريط الحدودى، وتهدف إلى القضاء بشكل نهائى على انفاق التهريب، كما سيتم استغلالها فى إقامة مزارع للأسماك ضمن خطة لتنمية شمال سيناء. أضافت تلك المصادر أنه سيتم الانتهاء من تنفيذ القناة الجديدة خلال أسابيع، بحيث تضخ مياه البحر إليها لإقامة المزارع.

نقل الخبر المنشور فى جريدة «الحياة» من غزة تصريحا لنائب رئيس حكومة القطاع السابق زياد الظاظا وصف فيه ضخ الجانب المصرى للمياه المالحة فى مدينة رفح المصرية على طول الحدود مع القطاع بأنه بمثابة «انقلاب على قيم الجوار». وقال الرجل فى حديث لإذاعة «صوت الأقصى»: إن من شأن هذه الخطوة تشديد الحصار على غزة. لذلك فإنه ناشد السلطات المصرية وقف إقامة الأحواض التى ستغمرها مياه البحر، نظرا لخطورتها على البيئة، الأمر الذى ستكون له نتائج وخيمة على رفح الفلسطينية والمصرية فى آن واحد.

الموضوع ذاته عرضت له صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، حيث نشرت يوم ١٥ سبتمبر تقريرا نقلته عن وكالة الأنباء الألمانية ذكرت فيه ان مصر بدأت فى ذلك اليوم (الجمعة ١٤ سبتمبر) ضخ المياه فى المجرى الذى بدأ حفره لحسم مسألة الأنفاق والتضييق على الأنشطة «الإرهابية» التى كانت تتم عبرها، ونقل التقرير عن مصادر رسمية قولها انه ستتم إقامة ١٥ مزرعة للأسماك فى المنطقة المغمورة بمياه البحر الأبيض المتوسط، الأمر الذى سيجعل مد الانفاق بعد ذلك أمرا مستحيلا.

على صعيد آخر، تتداول مواقع التواصل الاجتماعى تقريرا أعدته سلطة المياه الفلسطينية فى غزة بخصوص الموضوع. ومما ذكره التقرير أنه أثناء احتلال إسرائيل للقطاع طرحوا فكرة إنشاء قناة مائية أو خندق مائى فى محور فلاديفيا على طول الحدود المصرية الفلسطينية بعرض ٥٠ ــ ١٠٠ متر وعمق ١٠ ــ ٢٠ مترا، ولكن الفكرة استبعدت لصعوبة تنفيذها، وربما لتدميرها للبيئة فى تلك المنطقة من قطاع غزة وانسحاب الإسرائيليين من القطاع فى العام ٢٠٠٥. بعد ذلك تجددت فكرة إنشاء قناة مائية أو جدار فولاذى إبان حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك عام ٢٠٠٩. وبالفعل تم الشروع فى تنفيذ الجدار فى المنطقة التى تنشط فيها الانفاق شمال وجنوب معبر رفح. وبعد أن قطع التنفيذ شوطا غطى عدة كيلومترات، توقف العمل فيه بسبب ثورات الربيع العربى وتنحى مبارك.. لكن الفكرة تجددت لاحقا حيث تم تدمير أكثر من ألف نفق، وقبل شهر بدأت عملية الحفر وظهر انبوب الماء الذى قيل انه سيحمل مياه المتوسط المالحة إلى المجرى المائى الجديد.

تحدث التقرير أيضا عن دراسات أجرتها سلطة المياه فى غزة تبين منها أن مياه المتوسط المالحة سوف تتدفق نحو خزان المياه الجوفية الكبير الذى تعتمد عليه رفح الفلسطينية والمصرية، وهوما يشكل كارثة بيئية تصيب التربة والمياه الجوفية ومجمل الحياة فى المنطقة بأضرار كبيرة. ومن شأن ذلك أن يؤدى إلى انتشار الملوثات مثل الكلورايد بسرعات عالية جدا، الأمر الذى يجعل منطقة رفح الفلسطينية بوجه أخص تحت تأثير الملوثات فى فترة قصيرة جدا.

أسهب التقرير فى عرض الدراسات الفنية التى تم إجراؤها، التى دعمت وجهة النظر التى استخلصها خبراء سلطة المياه الفلسطينية فى القطاع. لكن معلوماته وخلاصاته تظل معبرة عن وجهة نظر الطرف الفلسطينى، التى هى الوحيدة المتاحة فى الوقت الراهن أمام الباحثين والمتابعين، الذين لا تتوفر لهم أية معلومات عن وجهة النظر المصرية، والعوامل الأمنية أو التنموية التى حركت المشروع. إضافة إلى الدراسات التى أجريت لتجنب الأضرار البيئية الكارثية التى تحدث عنها تقرير الطرف الفلسطينى. وأخطر تلك الأضرار تأثير مياه البحر المالحة على خزان المياه الجوفية الذى يعتمد عليه القطاع فى الزراعة والرى.

هذه الخلفية تستدعى العديد من الأسئلة التى يسهم غياب وجهة النظر المصرية فى تحويلها إلى مصدر للبلبلة والوقيعة وتشويه الموقف المصرى فى موضوع بالغ الدقة والحساسية يتعلق بمصير الحياة فى قطاع غزة.

إن مصر تسعى جاهدة إلى احتواء وتجنب الأضرار المترتبة على إقامة سد النهضة الإثيوبى ولأجل ذلك لجأت إلى القنوات الدبلوماسية والمكاتب الهندسية الاستشارية لكى تبدد المخاوف وتطمئن. لذلك حرى بها أن تبدد الشكوك المثارة حول تداعيات مشروعها المائى الجديد فى سيناء الذى لا تزال أسئلته بلا أجوبة، لكى لا يساء الظن بها ويشوه موقفها فى ظل التعتيم والصمت.