الذاكرة الأفغانية وحسابات موسوكو الجديدة في سوريا

14:56

2015-09-23

حسن أبوطالب

بالرغم من الاختلاف الكبير بين الواقع الذى يعيشه العالم الآن مقارنة بما كان عليه الوضع إبان نهاية السبعينات من القرن الماضى، فإن تذكر بعض ما كان آنذاك يمكن أن يساعد على تفهم أو استيعاب بعض ما يجرى الآن بين حكومة بشار الأسد فى سوريا وروسيا بوتين، كما يمكن أن يعطينا لمحة تخيلية عن مسار الأحداث المرتقبة لا سيما فى ضوء التغير النسبى والمحدود فى موقف الولايات المتحدة، الذى يبدو متفهماً نسبياً لاحتمال التدخل العسكرى الروسى المباشر فى سوريا ومتفهماً نسبياً لأن يبقى الأسد بعض الوقت كجزء من الحل السياسى الممكن كما ذكر ذلك كيرى وزير الخارجية الأمريكى قبل أربعة أيام، فى إطار تعليقه على المباحثات التكتيكية بين العسكريين الروس والأمريكيين المرتقبة بشأن التدخل لمواجهة «داعش» فى سوريا.

فى نهاية السبعينات، وتحديداً فى 27 ديسمبر 1979، دخل الجيش السوفيتى الرابع العاصمة الأفغانية كابول من الشمال فى أقل من 12 ساعة، بهدف دعم الحكومة اليسارية الشيوعية بقيادة حفظ الله أمين، الذى طلب المزيد من الدعم السوفيتى، استناداً لمعاهدة الصداقة التى كانت موقعة بين البلدين قبل عامين، وذلك لمواجهة التمرد الذى كان منتشراً فى بقاع مختلفة من أفغانستان، وما إن تمكنت القوات السوفيتية من التمركز فى العاصمة والسيطرة على قصر الحكم حتى تم التخلص من حفظ الله أمين، لأنه لم يكن صارماً بما يكفى فى مواجهة التمرد، ولشكوك أخرى سيطرت على الاستخبارات الروسية بأن أمين كان عميلاً للولايات المتحدة، بهدف تقويض الحكم اليسارى الماركسى فى أفغانستان، بعدها اختير بابراك كارمال، أحد أعضاء ما كان يعرف باللجنة الثورية المركزية الأفغانية، لرئاسة الحكومة تحت الرعاية السوفيتية المباشرة.

كان الوصف السوفيتى لما حدث هو أنه دعم لحليف مهم، استناداً إلى اتفاقية صداقة وتعاون وقعت قبل عامين، أما عالمياً فكان الوصف السائد أن ما حدث هو احتلال سوفيتى لأفغانستان، مما يستدعى الوقوف وراء المتمردين ضد الحكم الشيوعى، وهو ما كان، حيث تبلور تحالف دولى بقيادة أمريكية لدعم ما عرف آنذاك بالمجاهدين الأفغان، الذين وقع عليهم العبء الأكبر طوال عشر سنوات فى تحويل حياة القوات السوفيتية إلى جحيم، مما أدى فى العام 1988 وبعد مفاوضات تحت رعاية إقليمية ودولية إلى انسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان، وبعدها دخلت الأخيرة فى دوامة حرب أهلية ودمار شامل ما زالت آثاره قائمة حتى اللحظة، ومن المهم هنا الإشارة إلى أن التحركات الأمريكية التى ناهضت التدخل السوفيتى آنذاك استندت إلى اعتبارات أخلاقية براقة، ثم ظهرت حقائق لاحقة فى كتاب «من الظل» لروبرت جيتس، مدير الاستخبارات الأمريكية فى هذه المرحلة، بأن الولايات المتحدة كانت وراء التمرد الأفغانى ضد الحكومة اليسارية حتى قبل التدخل العسكرى السوفيتى بستة أشهر على الأقل، والمعنى أن الولايات المتحدة كانت تدبر لمكيدة للاتحاد السوفيتى كجزء من الحرب الباردة بينهما، وقد كان، ومعروف أن أحد أسباب انهيار الاتحاد السوفيتى هو فشل حملته العسكرية فى أفغانستان، إلى جانب أسباب أخرى هيكلية.

التذكير بما جرى فى أفغانستان مهم من زاويتين، الأولى أن القاسم المشترك هو روسيا، التى تعد بشكل أو بآخر امتداداً للقوة السوفيتية، مع الفارق أن روسيا الآن دولة بذاتها وليست اتحاداً، والثانية أن مبررات التدخل استندت إلى وجود غطاء قانونى يتمثل فى معاهدة تعاون وصداقة، وهو الأمر القائم الآن فى الحالة السورية، ورغم أن التاريخ لا يعيد نفسه من حيث تفاصيله، لكنه يمكن أن يساعدنا على فهم بعض الأمور الجارية، خاصة إذا تشابهت فى زوايا عديدة مع أحداث تاريخية ثابتة، والظاهر الآن أن روسيا على وشك التدخل العسكرى المباشر فى سوريا لمواجهة تنظيم داعش الإرهابى، ولديها فى ذلك ثلاثة مبررات رئيسية وحقيقية، وهى منع كارثة انهيار الحكم السورى، وبالتالى انهيار الدولة السورية كما هو حادث فى ليبيا خاصة، وثانياً مواجهة التنظيم الإرهابى داعش والحركات المسلحة الأخرى، لا سيما بعد ثبوت استقطاب هذه التنظيمات عدة آلاف من الشباب المتطرف من القوقاز والشيشان، وثالثاً الحفاظ على المصالح الروسية ذات الطابع الاستراتيجى مثل القاعدة البحرية الروسية فى طرطوس وهى الوحيدة للأسطول الروسى فى البحر المتوسط.

هذا التدخل الروسى المباشر لا يختلف من حيث المعنى والمبدأ عن التدخل الأمريكى، تحت مسمى التحالف الدولى لمواجهة داعش، والخلاف هو فى أن التحالف يوجه ضربات جوية لقوات «داعش»، أما روسيا فستكون لها قوات على الأرض السورية جنباً إلى جنب العمليات الجوية أيضاً، ومن هنا يمكن أن نتوقع قدراً من التكامل فى الجهدين الأمريكى والروسى إذا تم التنسيق التكتيكى بينهما، وإذا تم حل عقدة الرئيس الأسد ولو مرحلياً، وهناك مقدمات توحى بأن هذا التعاون التكتيكى ممكن، أو أنه محل بحث وتفاوض وصولاً إلى صيغة تكاملية لمواجهة «داعش»، أما إذا تعثر مثل هذا التعاون التكتيكى فيمكن فى هذه الحالة أن نسترشد بخبرة الحالة الأفغانية، لا سيما أن الاستخبارات الأمريكية بدأت، وفقاً لتقارير موثوقة، بإعادة النظر فى سيناريوهات اعتبار روسيا عدواً ومصدر تهديد لمصالح أمريكية عبر العالم، وقد يتطور الأمر إلى مواجهة مباشرة، وهى السيناريوهات التى تم تعطيلها بعد انهيار الاتحاد السوفيتى قبل 27 عاماً.

نحن أمام مفترق طرق وعر بالنسبة لوجود سوريا كدولة، والتدخل العسكرى الروسى المرتقب، والفشل الأمريكى الثابت فى مواجهة «داعش» وعدم السيطرة على ما يسمى بالمعارضة المعتدلة المجهولة الهوية، وظاهرياً قد يبدو التمدد الروسى كنتيجة مباشرة للهروب الأمريكى من مسئولية مواجهة تنظيمات الإرهاب العابرة للحدود، غير أن الثابت هو قيام اثنين من أقرب حلفاء أمريكا، وهما قطر وتركيا، طوال السنوات الأربع الماضية بتمويل هذه التنظيمات الإرهابية فى سوريا وفى دول أخرى أبرزها ليبيا بالمال والسلاح والبشر والمستشارين، وهو أمر لا يمكن حدوثه بهذه الكثافة إلا برضاء وتنسيق كامل مع واشنطن، فهل يمثل كل ذلك مقدمات توريط روسيا فى مستنقع لا آخر له، كما كان الحال فى أفغانستان، خاصة بعد أن تحولت بقيادة بوتين إلى قوة مزعجة من المنظور الأمريكى؟ وإذا كان من الصعب الجزم بإجابة محددة، فمن المهم لنا كعرب ولسوريا الدولة والشعب أن تكون الذاكرة الأفغانية فى الحسبان الروسى عامة ولدى الرئيس بوتين خاصة.