عن اليمن أو تشوهاتنا فى مرآة مكبرة!

14:48

2015-09-23

عمرو حمزاوي

هل قست القلوب وتعطلت الضمائر واختلت حسابات العقول، لكى يتورط العرب جماعيا فى الصمت على الحرب الظالمة على اليمن؟

هل تمكنت أموال الحكومات العربية المشاركة فى الحرب ومعها رءوس الأموال الخاصة المتحالفة معها من السيطرة الشاملة على وسائل الإعلام الناطقة باللغة العربية ومن إجبارها على إسكات لغة المعلومة والحقيقة التى توثق لخرائط الدماء ولأعداد الضحايا ولمشاهد الدمار التى تلحق بشعب اليمن والتى تنشرها وتتداولها بمهنية وحيادية بعض وسائل الإعلام العالمية؟

هل بلغت بنا ازدواجية المعايير الحدود القصوى لإلغاء إنسانيتنا بحيث بتنا نجمع بين الإدانة الواجبة لجرائم ديكتاتور سوريا والحزن على توالى سقوط ضحايا مدنيين قتلا وتشريدا وتهجيرا ونزوحا، وبين التجاهل المريع لجريمة الحرب على اليمن ولضحاياها المدنيين الذين يزيد عددهم اليوم (وفقا لتقديرات مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وتقديرات بعض منظمات الإغاثة غير الحكومية كأطباء بلا حدود) عن 4500 نفس بشرية؟

هل شوهتنا جرائم المستبدين ومكارثيتهم وإهدارهم للكرامة الإنسانية إلى حدود التمييز المريض بين«عرب ذوى قيمة» نحزن على سقوطهم ضحايا ونتألم لمصابهم ونتضامن معهم وبين«عرب معدومى القيمة» لا تهتز جفوننا أو تمتعض شفاهنا وهم يسقطون ضحايا ومصابين ويحيط بهم الدمار من كل جانب وتلاحقهم المظالم والانتهاكات ــ من اليمن إلى غزة؟

هل ران الخوف من سطوة المستبدين العرب ومن أدواتهم القمعية على قلوب وضمائر وعقول المنتسبين فى بلادنا للفكر الحر والثقافة المستنيرة والرأى الموضوعى وهدف الإعلام المهنى، وأعمل السعى المجرد من كل قيمة أخلاقية وإنسانية للحصول على حماية المستبدين ونصيب من ثروات المجتمع (وهم يحتكرونها دون وجه حق) معاول الهدم فى وعيهم المستقل بحيث أضحى فى إمكانهم إحداث التواكب بين التنديد اللازم باعتداءات إسرائيل على العرب الفلسطينيين وباعتداءات الديكتاتور الأسد على العرب السوريين وبوحشية داعش إزاء عرب العراق وسوريا وبالإجرام الإرهابى فى مصر وليبيا وبين الصمت المطبق المخزى عن حرب حكومات عربية على العرب اليمنيين وعن الضحايا الأبرياء وعن تدمير مرافق مدن وقرى الشعب الفقير وبناه التحتية من مستشفيات ومدارس ومحطات كهرباء ومياه وغيرها؟

هل تخلت عن المنتسبين فى بلاد العرب لقيم العدل والحق والحرية حفريات شجاعة ماضية أو بقايا شجاعة حاضرة فى مواجهة سطوة المستبدين وسطوة أموالهم وأموال تابعيهم والمشمولين بحمايتهم، لكى يتواصل عجزهم عن التعبير ولو «بصياغات تلغرافية» عن رفضهم لتهافت تبرير حكومات «عاصفة الحزم» لضرب المستشفيات والمدارس وأماكن تجمع المدنيين فى اليمن وإسقاط غاراتهم وصواريخهم وقنابلهم للكثير من الضحايا المدنيين بالإشارة الزائفة إلى توظيف «الحوثيين وحلفائهم لمثل هذه المرافق فى المواجهات العسكرية»، تلك التى تتطابق حرفيا مع التبريرات الهمجية التى تسوقها آلة القتل الإسرائيلية لاعتداءاتها المتكررة على مرافق الشعب الفلسطينى فى غزة وأماكن تجمع المدنيين وملاجئهم أثناء الحروب الدورية على غزة؟

هل هجرتنا كامل قدرات التحليل الموضوعى للحرب على اليمن ــ والقدرات هذه لا تعفى الحوثيين وحلفاءهم من مسئولية الدماء والدمار، غير أنها تقر مستندة إلى معلومات وحقائق موثقة من قبل مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن الشق الأكبر من المسئولية يقع على عاتق الحكومات العربية المشاركة فى الحرب على اليمن، لنتيقن من أنها لن تأتى بمنتصرين ومهزومين، وندرك أنها تنزلق تدريجيا إلى عمليات عقاب جماعى للشعب اليمنى فى المدن والقرى التى يسيطر عليها الحوثيون وأنها بذلك تقلل على نحو كارثى من فرص التسوية السلمية والوفاق الوطنى، ونفهم أن الطائفية غريبة عن المجتمع اليمنى وستظل كذلك مهما سعت إيران أو سعى بعض عرب الخليج؟

مأساة اليمن هى مأساة سطوة الاستبداد وسطوة أموال المستبدين على بلاد العرب، هى مأساة قلوبنا وضمائرنا وعقولنا التى أنهكها الخوف وشوهها الوعى الزائف ورانت عليها القسوة وازدواجية المعايير، هى مأساتنا جميعا ودليل إضافى على عدم أهليتنا للالتحاق بإنسانية تنشد العدل والحق والحرية.