قيمة الأمن وفريضة الحج

12:58

2015-09-22

شوقي علام

إن الأمن واستقرار الفرد والمجتمع من الأهداف العليا للشرائع السماوية التى تحرص على إرسائها ونشرها فى المجتمعات الإنسانية، والتجربة البشرية تثبت أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش فى ظل تهديد لأمنه وسلامته؛ إذ لو تحقق هذا التهديد فإن المرء لا يعطى ولا ينتج ولا يكون عضواً فاعلاً بما يعود سلباً على مجتمعه. ولا يقتصر الأمر على مجرد الأمن بمفهومه المادى الشائع، وإنما يدخل فيه الأمن الفكرى والمعنوى والمجتمعى.

لهذا حرصت الشريعة الإسلاميَّة على غرس هذه القيمة العظيمة فى نفوس المسلمين من خلال الأحكام والتكاليف الشرعيَّة، فإن استقراء موارد الشريعة يُؤدِّى بنا إلى نتيجة مهمة، هى أن الشريعة إنما جاءت لجلب المصالح ودفع المفاسد، والقول بذلك يدخل فيه بلا ريب قيمة الأمن؛ إذ هذه القيمة من المصالح المقطوع بها عند العقلاء، ومن ثَمَّ كانت الأحكام الشرعيَّة محققة لهذا المعنى بكل أبعاده ومعانيه التى ذكرناها، وقد حرص النبى- صلى الله عليه وسلم- على إظهار هذا المعنى، بل جعله ركناً أصيلاً من أركان حياة الإنسان وسعادته، فقال صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمناً فى سربه، معافى فى جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا» (سنن الترمذى/ 2346).

كما ضرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لنا المثل والقدوة الحسنة فى بيان هذا الاستقرار النفسى والأمن المعنوى، فرغم الإيذاء الشديد الذى تعرض له المسلمون فإن ذلك لم يثنه عن تمنى الخير والفلاح والصلاح لقومه، حيث قال قولته المشهورة: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» (متفقٌ عليه)، وفى هذا الحديث استغفاره- صلى الله عليه وسلم- لقومه الذين لا يعلمون، وهم الذين لم يؤمنوا به ولم يصدقوه.

وسار الصحابة والمسلمون من بعدهم على هذا المنهج وتحملوا بقلوب صافية وعقول واعية وبنوا الحضارة الإنسانية فى شتى بقاع الدنيا، بما يعجز العقل البشرى- الذى يقف مبهوراً أمام إنجازاتهم الحضارية- عن تفسير المقدمات التى أدت إلى هذه النتائج فى وقت قصير من عمر البشرية.

وهكذا نجد هذا المعنى سارياً فى أحكام الشريعة كلها، فالمصلى عندما يقف بين يدى ربه مفتتحاً الصلاة بالتكبير فإنه بذلك يكون قد دخل فى حرمات الصلاة التى تعطيه الطمأنينة والسكينة والهدوء النفسى، مما يحقق جانباً مهماً وأساسياً فى معنى وقيمة الأمن، وفى تقديرنا أن هذا الاستقرار النفسى هو المفتاح الحقيقى للاستقرار المجتمعى؛ ولذا وجدنا التكاليف الشرعيَّة كلها تؤدى إلى الاطمئنان النفسى الذى يكون معه الإنسان متمنياً الخير والصلاح لنفسه ولمجتمعه بل للإنسان كل الإنسان.

والمعنى الذى ذكرناه فى الصلاة نجده واضحاً أيضاً فى مناسك الحج وأعماله، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة: 125]، وقوله سبحانه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: 97].

ولهذا سَرَتْ قيمة الأمن فى أعمال الحج كلها، بدءاً لا أقول من الإحرام بل قبله؛ إذ مما ينبغى للحاج أو المعتمر فعله قبل التلبس بأعمال الحج والعمرة أن يتهيأ فى نفسه بحالة من الأمن والأمان، بل يطلبها من غيره فى صورة طلب العفو والمسامحة ممن قد يكون أساء إليهم أو ألحق بهم أذى ولو كان صغيراً، فضلاً عن أنه يجب عليه أن يترك لمن يعولهم من النفقة ما يكفيهم مدة إقامته فى تلك المشاعر والمناسك.

ثم يأتى الإحرام ليؤكد هذا المعنى، حيث يحرم عليه أن يرتكب محظوراً من محظورات الإحرام، وفى أغلبها يأتى تحقيق معنى الأمن لغيره حتى من الحيوانات، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95].

ولم يكن هذا المعنى مقصوراً على الحيوانات فحسب، بل امتد إلى عالم النبات؛ إذ يحرم على من دخل إلى أرض المنسك أن يقطع شجراً أو يؤذى طيراً أو حيواناً؛ بل إن هذا يمتد أيضاً إلى ما فقده الناس من أموال، وهو ما يعرف باللقطة، حيث أمرنا بتركها أو إيداعها لدى الجهات المعنية بحفظها، وذلك كلُّه لحديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة: «إن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلى، ولم يحل لى إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرَّفها، ولا يُخْتَلَى خَلاها» (متفقٌ عليه).

بهذه التهيئة لمقتضيات الحج يكل أفعاله وأقواله دلالة يجب الالتفات إليها لتكون رسالة للمسلم مع أخيه المسلم فى العمل على نشر ثقافة إشاعة الأمن والأمان فى الحج، وكذلك فى غير الحج، ومع المسلم وغير المسلم بل مع الكون كله، لنبرز المفهوم الصحيح لقيمة الأمن فى الإسلام، ومن ثَمَّ نصحح الصورة المشوَّهة التى انتشرت عن الإسلام والمسلمين لدى الآخر، ولنبين للعالمين كيف نمد أيدينا للتعايش السلمى والتكامل الحضارى الذى لا يقف على أمة دون غيرها.