العراق الأمريكي وسوريا الروسية واليمن السعودي واللبنان الفرنسي

14:24

2015-09-19

معتز بالله عبدالفتاح

الدول الغربية قررت أن تتعامل معنا بمنطقنا. كل دولة أو شبه دولة لا بد أن يكون لها «كفيل» إقليمى أو دولى.

لو كان لى أن أسافر فى الزمن لعدة سنوات مقبلة فسأجد تنافسات ثم تفاهمات المستقبل تسير على هذا النحو:

العراق لأمريكا، سوريا لروسيا، اليمن للسعودية، لبنان لفرنسا.

ولكن كل هذا لا يمكن أن يحدث إلا بصيغة ما لاحتواء إيران.

تقول راغدة درغام فى جريدة «الحياة» اللندنية: بعد عشرة أيام فى مدينة نيويورك، ستتزاحم المبادرات والتفاهمات والصفقات تحت عنوانين أساسيين هما الإرهاب والهجرة وكلاهما مرتبط فى أذهان قادة العالم بسوريا بالدرجة الأولى، ثم بالأزمات الأخرى المتفشية فى المنطقة العربية.

الرئيس الأمريكى باراك أوباما دعا إلى قمة حول الإرهاب وفى باله «داعش» أولاً. والرئيس الروسى فلاديمير بوتين كلّف وزير خارجيته سيرجى لافروف بأن يترأس جلسة وزارية لمجلس الأمن تحمل عنوان «الحفاظ على السلام والأمن الدوليين: تسوية النزاعات فى الشرق الأوسط ومناهضة الخطر الإرهابى فى المنطقة». الرئيس بوتين أبلغ العالم صراحة أن روسيا تنوى خوض الحرب مباشرة وميدانياً ضد تنظيم «داعش» وأمثاله فى ساحة المعركة السورية، وتنوى التمسك بالنظام السورى حليفاً أساسياً فى هذه الحرب، وتريد من الولايات المتحدة أن تكون شريكاً عسكرياً لها -وللنظام- فى هذا المسعى. الرئيس بوتين يريد اللقاء مع الرئيس أوباما فى نيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة التى تحتفى بعيدها السبعين. وقفة خاطفة أمام ما قاله سفير روسيا الحذق لدى الأمم المتحدة، فيتالى تشوركين، لمحطة «سى بى إس» تكشف عن جزء من الاستراتيجية الروسية. قال «أعتقد أن هناك أمراً نتشاطره مع الولايات المتحدة، مع الحكومة الأمريكية: أنهم لا يريدون لحكومة الأسد أن تسقط. لا يريدون لها أن تسقط. يريدون محاربة داعش بصورة لا تؤذى الحكومة السورية». وتابع تشوركين: «إنهم لا يريدون للحكومة السورية أن تستغل حملتهم على داعش. لكنهم لا يريدون إلحاق الأذى بالحكومة السورية بأفعالهم. فالمسألة معقدة جداً».

معقدة جداً، بالتأكيد، إن كان ما يقوله «تشوركين» مبنياً على افتراضات وتمنيات أو إن كان حقيقة لا تعترف بها الإدارة الأمريكية علناً. فإذا كانت هذه مجرد قراءة روسية للسياسة الأمريكية، فهى جزء من استراتيجيتها لتسويق ما تبتغيه لأنها تفترض أن واشنطن لن تتحداها عملياً. وبحسب «تشوركين» فإن «المسألة واضحة تماماً فى ذهنى.. إن أحد مصادر القلق الجدية للحكومة الأمريكية الآن هو سقوط نظام الأسد وقيام داعش بالسيطرة على دمشق وتكون الولايات المتحدة حينذاك موضع اللوم لما حدث». قد يكون الرئيس السورى نفسه العقدة أمام تفاهمات أمريكية - روسية، كما كان دوماً، وقد يكون النظام هو المخرج من عقدة الأسد. حتى الآن، إن الموقف الأمريكى الذى نطق به باراك أوباما -ولم يتنازل أو يتخلّ عنه بعد- هو أن الأسد فقد الشرعية وعليه أن يرحل. الرئيس الأمريكى وإدارته تعمّدا إسقاط هذا الشرط -فى أكثر من مناسبة- فى التصريحات العلنية، لكن هذا ما زال الموقف الرسمى الذى لم يتنازل عنه باراك أوباما صراحة. فى المقابل، وبكل وضوح ولأول مرة، قال الرئيس الروسى إن الدعم الروسى للحكومة السورية سيستمر سياسياً وسيتضاعف عسكرياً لأنها الحليف الذى لا غنى عنه فى الحرب على الإرهاب فى سوريا. الدبلوماسية الروسية تتوجه إلى نيويورك بعد عشرة أيام متأبطة مشروعاً متكاملاً للانخراط فى الشرق الأوسط. بالمقابل، تبدو الدبلوماسية الأمريكية متحفظة ومنساقة رغماً عنها إلى البحث فى أزمات المنطقة.

هذا لا يعنى أبداً أن الإدارة الأمريكية اعتزلت الشرق الأوسط. ونتائج زيارة العاهل السعودى الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى واشنطن مثال على اللااعتزال. إنما المسافة بين الانخراط واللااعتزال مهمة للاستراتيجية لا سيما أن روسيا بوتين تعتزم الاستفادة منها بأقصى الحدود الممكنة.

القاسم المشترك بين الأولويتين الأمريكية والروسية هو تقزيم واختزال الأمر الواقع للمسألة السورية إلى إرهاب. واشنطن لا تنخرط فى سوريا بقرار رئاسى اتُّخِذَ منذ سنوات. هذا اللاانخراط ساهم عملياً فى تحويل الأزمة السورية من انتفاضة مدنية إلى حرب أهلية إلى ساحة اجتذاب للإرهاب بقرار من عدة لاعبين بينهم الحكومة السورية وحكومات عربية وإقليمية ودولية. فى المقابل، مارست موسكو سياسة الانخراط بشراكة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية و«حزب الله» لدعم النظام فى دمشق.

تريد موسكو وواشنطن، اليوم، سحق «داعش» وأمثاله فى سوريا كما فى العراق، لذلك تتأبطان ملف الإرهاب وتتوجهان به إلى الأمم المتحدة لحشد الدعم الدولى لاستراتيجيته. «التحالف الدولى» الذى تقوده الولايات المتحدة وتشارك فيه دول عربية انصبّ على العراق وهو لا يضم بين أعضائه روسيا أو إيران مع أن إيران شريك سرّى للولايات المتحدة فى الحرب على «داعش» فى العراق. هذا التحالف أثبت إما الفشل والانهزام نسبياً أمام «داعش»، أو، أنه لا يتنبه إلى العناصر السياسية المهمة والضرورية إذا كُتِبَ له النجاح، وواشنطن هى المسئولة عن هذا التقصير. فإدارة أوباما انصبّت كلياً على هوسها بإنجاح الاتفاق النووى مع طهران ورفضت التنبه لمتطلبات إنجاح «التحالف الدولى» إذا ما تعرّضت لإيران، بل اختارت شراكة سرية معها. وهكذا سمحت للحرس الثورى الإيرانى وقائد «فيلق القدس» قاسم سليمانى أن يتباهى علناً بالشراكة السرية مع العراق.

متطلبات الحرب الروسية على الإرهاب فى سورية تقتضى، بحسب الرئيس الروسى، أن تكون لموسكو صلاحية القيادة. بوتين، عملياً، يقول لأوباما: لكم الحرب على «داعش» فى العراق، ولى الحرب على «داعش» فى سوريا. وهذا يتطلب أن توافق واشنطن -بصورة علنية أو ضمنية- على استراتيجية روسيا لكسب تلك الحرب بشراكة مع النظام والاعتراف بمركزيته لتحقيق الانتصار ميدانياً. فإذا وافقت واشنطن، هذا مستحسن لدى موسكو. وإذا لم توافق، فليكن. فقد قررت القيادة الروسية أن سوريا مفتاح أساسى لها ولمصالحها فى الشرق الأوسط، وأن التحالف الروسى - الإيرانى فى مسألة سوريا يشكل أولوية استراتيجية.

هناك عنصر الوجود الميدانى الروسى من أجل ممارسة النفوذ عبر تحويل ميناء طرطوس إلى قاعدة عسكرية روسية ومطار اللاذقية المدنى إلى مطار عسكرى فى خدمة روسيا. هناك عنصر النفط والغاز فى الساحل السورى وتداعياته على المصالح الروسية فى قطاع النفط والغاز. هناك عنصر استعادة الاعتبار عبر بسط النفوذ الروسى بعدما استبعدت الولايات المتحدة روسيا عن العراق فى حربها على الإرهاب هناك، وبعدما «خدعت» دول حلف شمال الأطلسى روسيا فى ليبيا. وكى تنجح الاستراتيجية الروسية، رأت موسكو أنه لا بد من شق سياسى يحمل عنوان حل أزمات الشرق الأوسط، بدءاً بسوريا. لذلك تتحرك دبلوماسياً تحت عنوان توحيد المعارضة السورية وهدفها الحقيقى كان تقليص «الائتلاف الوطنى السورى» ومنع احتكاره المعارضة السورية. تحركت لاستبدال عملية جنيف بعملية جديدة تنسف الفكرة الأساسية فى بيان جنيف أى إنشاء هيئة انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية. وما قدمته من بديل هو بمثابة تمزيق عملية جنيف بلطف على نسق إسالة دمائه بقطنة. ولذلك تحدث الرئيس بوتين عن استعداد الأسد لتقاسم السلطة مع المعارضة «الصحيّة» كما تعرفها الحكومتان السورية والروسية.

قد يأتى يوم تجتمع فيه دول الغرب لتحدد مصير أشباه الدول العربية كما فعلوا فى «سايكس بيكو» ومؤتمر سان ريمو. وقد يرى بعضنا أن التآمر الأوروبى علينا بما يحققه من استقرار مؤقت أفضل من الفشل العربى بما يضمنه من دماء ودمار مستمرة.