ليبيا: الذين يضعون العصي في الدواليب

14:24

2015-09-18

أحمد الفقيه

يصل حوار الأطراف الليبية في منطقة الصخيرات في المغرب، تحت إشراف المندوب الأممي برناردينو ليون إلى مراحله الأخيرة، وقد حدد هذا المندوب يوم 20 من الشهر الجاري كآخر موعد لإعلان وثيقة المصالحة، وتعيين حكومة الوفاق الوطني، وأردف بأنه صار في تحصيل الحاصل وصول هذه الأطراف إلى كلمة سواء، وتوقيع وثيقة الاتفاق قبل انتهاء المهلة التي حددها وإعلان الحكومة التي ستكون البديل للحكومتين اللتين تتقاسمان البلاد.

هذا كله كلام جميل ومعقول، إلا أنه للأسف الشديد، تحيط به مخاوف وشكوك، وأصوات كثيرة تصنع لغطا كبيرا محبطا للهمم والعزائم، وحديث عن خلافات وعن اقتراحات تأتي في آخر لحظة، لم يكن معمولا حسابها، مثل إعادة النظر في المسودة الأخيرة التي تم التوقيع عليها بالأحرف الأولى، ومطالبة المؤتمر الوطني العام، المنتهية صلاحيته، بإعادة تعديل المسودة، ثم وبعد أن تم تحديد جلسة الخميس الماضي لتقديم أسماء المرشحين نجد هذا المؤتمر يمتنع عن تقديم المرشحين بحجة أنه سابق لأوانه، ثم يتقدم بلائحة من الشروط يريد أن تتضمنها المسودة الأخيرة، تضمن له الفوز بحصة الأسد في ترتيبات المرحلة الجديدة، وأن تكون لمجلس الدولة سلطة القرار بدلا من الصفة الاستشارية فقط، وأن تكون أغلبيته من أعضاء هذا المؤتمر، ثم اقتراح نصوص تفيد بتقويض قرارات البرلمان خاصة في التعيينات العسكرية بما يعني إزاحة قائد عام الجيش اللواء عبدالرزاق الناظوري، والقائد الأعلى الفريق خليفة حفتر من المشهد، وهي اقتراحات تلقى اعتراضا كبيرا من الأطراف الأخرى في الحوار التي تراه جهدا غير بريء لتقويض الحوار ووضع العصي في آلياته لكي ينتهي بالفشل، معتمدين على أن البرلمان الموجود في طبرق قد قارب على نهاية مدته، وأن الأمر سيؤول إليهم في العاصمة طرابلس، وفق منطق القوة والأمر الواقع، وكما قام هذا المنطق، بإحياء المؤتمر الوطني العام بعد أن كان رميما، فإنه يستطيع الاستمرار به، بعد أن تنتهي مدة البرلمان، ويتمكن من الاستفراد بالترتيبات المستقبلية للبلاد، وهكذا يضعون البعثة الأممية التي تتولى الإشراف على هذه الترتيبات أمام الأمر الواقع، واثقين أن لديهم سندا من قوى الخارج، وهناك دول عربية وإسلامية وأخرى أجنبية، تجاهر بتأييدها لتيار الإسلام السياسي باعتباره التيار الذي يخضع لسيطرته مؤتمر الشعب العام، وهو الذي يريد الاستفراد بالمشهد ويريد الاستفراد بحكم البلاد، دون حاجة إلى الحصول على تفويض شعبي، أو احتكام إلى صندوق الاقتراع.

وبعد أن تم الاتفاق على اعتبار المسودة الأخيرة التي تم التوقيع عليها بالأحرف الأولى نهائية، ولا يجوز فتحها وإعادة النظر فيها، اضطر المندوب الأممي إلى الرضوخ لإرادة المؤتمر الوطني العام بالتنازل عن هذا التعهد، وإجراء تعديلات جديدة على هذه المسودة، وهو الأمر الذي وافق عليه وفد مجلس النواب، مما دعا المندوب الأممي إلى إطلاق تصريحاته المتفائلة بقرب الوصول إلى الاتفاق، ولكن مجلس النواب نفسه، الذي ينتظر هذه المسودة للموافقة النهائية عليها، أبدى اعتراضا على التعديلات، وهدد عددا كبيرا من أعضائه بعدم الموافقة، ما لم تسحب التعديلات، وأن يلتزم برنادينو ليون بما تعهد به، أي بعدم المساس بالمسودة الأخيرة، وأن أي ملاحظات جديدة، يجب تضمينها في الملاحق، وبما لا يتعارض مع المبادئ، التي تضمنتها المسودة النهائية.

عصي في الدواليب هو التعبير الذي يتفق مع مفاوضات اللحظات الأخيرة، وهي عصي يجب أن تواجه منذ البداية بعصي أخرى في متناول المندوب الأممي استخدامها، فلقد كانت السياسة المتبعة مع أطراف النزاع في ليبيا، وفي أماكن أخرى تتشابه حالتها مع الحالة الليبية، هي سياسة الجزرة والعصا، ولعلها سياسة جاءت بنتائج في حالات كثيرة، وأسفرت عن إخفاق في حالات أخرى، خاصة عندما يتم الإسراف في استخدام أحد الخياريْن، خيار الجزرة أو خيار العصا.

وفي الحقيقة فإن الناصحين للمندوب الأممي يدركون أنه يتعامل، في الحالة الليبية، مع أطراف لم تصل إلى طاولة المفاوضات، إلا أنها جزء من واقع لا يمكن تجاوزه، وهو واقع مفروض بقوة السلاح والمغالبة والاحتراب، فكان واردا استخدام الجزرة، وإشراكهم في الحوار، والاعتراف بهم كجزء من الترتيبات المستقبلية في حكم البلاد، واستلام السلطة والمشاركة في صنع القرار، ولكن هذا الدلال والجمال لم يوكنا ممكنين أن يستمرا مع مثل هذه النوعيات من أهل السلاح والمغالبة، دون استخدام العصا، والتهديد بالعقوبات التي يستحقونها جزاء جرائم شنيعة تم ارتكابها، وانتهاكات لحقوق الإنسان مارسوها، ومازالوا يمارسونها، وكلها تستحق إصدار مذكرات بالقبض على زعاماتها، من محكمة الجنايات الدولية، وتستحق مصادرة لأرصدتهم وتستحق حظرا على سفرهم واستقبال المجتمع الدولي لهم، وتستحق القيام بخطوة أساسية وجوهرية هي تجفيف مواردهم، وإنذار الدول التي تمدهم بالمال والسلاح بأنها ستخضع للعقاب إذا واصلت هذا التدخل السافر في الشأن الليبي، لكننا رأينا إحجاما في استخدام العصا، من طرف الهيئة الأممية، فتفاقم استعمال العصي ووضعها في دواليب الحوار والمصالحة، من جانب هذه الميليشيات غير الشرعية، التي تمثل، الآن، طرفا في الحوار ولها مندوبون يتكلمون باسمها وينفذون تعليماتها، وهم في الغالب ليسوا إلا دمى لها.

ما نقوله ختاما، هو أننا نتمنى أن تخيب توقعاتنا وتنجح توقعات برنادينو ليون، ويصل الليبيون إلى اتفاق يكون الخطوة الأولى على طريق العبور من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة بناء الدولة الدستورية المدنية بإذن الله.