تبني ملك الأردن نهج الانفتاح السياسي ينهي عهد المحافظين

14:15

2015-09-18

عمان -الشروق العربي- تخوض الحكومة الأردنية هذه الأيام معركة سياسية متعددة الأقطاب والأوجه لضمان إقرار قانون الانتخابات البرلمانية الجديد الذي طرحته على مجلس النواب مؤخرا، والذي يأمل من ورائه الأردنيون بلوغ مرحلة قيام حكومات برلمانية في المملكة.

وعلى مدار الأيام الماضية وفي كل ظهور إعلامي لهما لا ينفك كل من رئيس الوزراء الأردني عبدالله النسور والناطق باسم الحكومة محمد المومني عن ترديد أن هذا القانون يعد قفزة نوعية في سلم الإصلاحات السياسية التي وعد بها الملك عبدالله الثاني.

ويؤكد هذا الثنائي أن قانون الانتخابات الذي ألغى نظام “الصوت الواحد” المثير للجدل، يحظى بدعم شخصي من العاهل الأردني، مشددين على ضرورة عدم تفويت النواب هذه الفرصة التاريخية والمصادقة عليه.

وقال النسور أمس الخميس، إن المملكة “مقبلة على عملية إصلاح واسعة في هذه المرحلة”، مستعرضا جملة الإصلاحات السياسية التي تمت في الفترة الأخيرة وتوجت بموافقة مجلس الأمة على قوانين الأحزاب واللامركزية والبلديات وقبول مجلس النواب في القراءة الأولى مسودة قانون الانتخاب بالإجماع.

وأوضح رئيس الوزراء خلال لقائه بوزير الداخلية سلامة حماد والمحافظين “اليوم يجب أن يبدأ جهدنا في تنفيذ رؤية الملك التي تؤكد أنه لا يمكن لأي قطر في عالم اليوم الاستمرار إلا بوجود حياة برلمانية التي أصبحت ركنا لا يمكن الاستغناء عنه”.

واعتبر أن “الحياة البرلمانية ليست ديكورا بل دور وحاجة للمشورة والرقابة وضبط الأمور وإعلام المركز بمطالبات المواطنين والتشاور وأخذ القرار وتحديد مستقبل بلدنا سويا”. وكان الملك قد تعهد في 2011 عقب الحراك الاحتجاجي الذي شهده الشارع الأردني بإدخال إصلاحات سياسية وتشريعية جوهرية وفي مقدمتها وضع قانون انتخابي جديد يفسح المجال أمام قيام حكومة برلمانية.

وأكد النسور الأسبوع الماضي خلال حضوره للقراءة الأولى لمشروع القانون الانتخابي الجديد تحت قبة مجلس النواب أن القانون يحظى بتأييد مطلق من قبل الملك عبدالله، في إيحاء للأطراف الرافضة للقانون بأنه لا مجال لإسقاطه.

 

ويوجد قطبان رئيسيان لا يبدوان متحمسين لمرور مشروع قانون الانتخابات، الأول هو تيار المحافظين أو ما يطلق عليه البعض بـ”الحرس القديم”، والثاني هم عدد من الأحزاب والتيارات السياسية التي ترى أن القانون يحوي على جملة من الشوائب لابد من تعديلها.

فبالنسبة لتيار المحافظين الذي يقوده رئيس الديوان الملكي فايز الطراونة، فإن مكمن الخلل في القانون الجديد يكمن في إلغاء الصوت الواحد.

ونظام الصوت الواحد، هو نظام انتخابي يعتمد، في الأصل، على الدوائر الضيقة بحيث يتم انتخاب مرشح واحد عن كل دائرة.

وأفرز هذا النظام جملة من المظاهر السلبية أثرت على الحياة البرلمانية في الأردن، ومنها تكريس العشائرية وسيطرة المال السياسي على الانتخابات، وإبعاد الكفاءات.

ومعروف عن الطراونة معارضته الشديدة لإلغاء هذا النظام، ويعتبره الأفضل على الإطلاق وهو الحجر الأساس لضمان الاستقرار السياسي والتشريعي.

وقد عمل فايز الطراونة خلال فترة توليه لرئاسة الحكومة في 2012، على رفض كل ما تقدمت به لجنة الحوار الوطني التي ترأسها آنذاك الطاهر المصري، ومن بينها استبدال قانون الصوت الواحد بالعودة إلى قانون 1989.

وتقول تسريبات من داخل المؤسسة الملكية في الأردن أن محاولات الطراونة آنذاك لإفشال مرور ما تمخضت عنه لجنة الحوار ومنها إلغاء الصوت الواحد، لم تكن لتنجح لولا وجود دعم من الملك عبدالله الثاني.

ولكن الأوضاع الداخلية والإقليمية تدفع، اليوم صناع القرار بالمملكة إلى القيام بإصلاحات جوهرية لتحصين الداخل، وهو ما يفسر تأييد الملك لقانون الانتخابات.

 

وهذا الوضع يدفع المحافظين إلى الانكفاء عن أنفسهم وعدم معارضة هذا القانون، خاصة وأن تسريبات تحدثت عن تعميم المؤسسة الملكية لكل دوائرها السياسية بعدم الوقوف ضده.

وهناك حادثة تؤكد هذا الانكفاء حين مازح النائب جميل النمري رئيس الديوان الملكي فايز الطراونة خلال مأدبة الغداء التي أقامها العاهل الاردني، ظهر الثلاثاء، لوجهاء إربد بشأن نظام الصوت الواحد.

وذكر النمري على صفحته الرسمية على فيسبوك فحوى الحوار الذي دار بينه وبين الطراونة أمام الملك عبدالله قائلا “على الغداء قلت لجلالته إننا نقدر أعظم تقدير تقديم القانون الأكثر عصرية وحداثة بين القوانين الانتخابية”.

وتابع النائب الأردني “ومازحت دولة الدكتور فايز الطراونة قائلا رغم أن هذا القانون قد لا يعجب دولة رئيس ديوانكم العامر، الذي سرعان ما رد علي قائلا إن 2012 غير 2015 وإن الوقت بات ناضجا ومناسبا للتغيير. وأسعدني قوله ذلك أي أننا على إجماع وطني الآن على هذا التغيير”.

ويرى محللون أن تخلي الملك عن الاعتماد الكلي على التيار المحافظ في إدارة الحياة السياسية والتشريعية في المملكة، هو ضرورة فرضتها المتغيرات الإقليمية والتي يخشى العاهل الأردني من تداعياتها على بلاده.

فالأخطاء التي ارتكبتها بعض الأنظمة العربية وانسداد الأفق السياسي أدى إلى انهيار عدة دول عربية مثل سوريا المجاورة وليبيا واليمن، وهنا يسعى العاهل الأردني لتجنب أخطاء الجوار واتخاذ الإصلاحات السياسية ضرورة حتمية.

ومن هذا المنطلق يأتي دعم الملك الأردني للقانون الانتخابي الجديد، والذي لا يجد إلى حد الآن رضا أيضا من بعض التيارات السياسية وفي مقدمتها جماعة الإخوان (غير الشرعية) التي اتخذت خيار الضغط على البرلمان لإحداث تعديلات عليه، خاصة فيما يتعلق بإعادة العمل بالقائمة الوطنية، معتبرة أن القانون الجديد بصيغته الحالية يعيد إنتاج نظام الصوت الواحد. واعتبر المتحدث باسم الحكومة الأردنية أن “القول أن قانون الانتخابات الذي قدمته الحكومة لمجلس النواب يشكل إعادة للصوت الواحد أمر خاطئ مئة بالمئة، ومن يقولون ذلك لم يقرؤوا القانون”.