ماذا تملك مصر غير تعاطفها مع الشعب السوري ؟!

13:13

2015-09-17

مكرم محمد أحمد

أغلب الظن أن طوفان الهجرة السورية إلى أوروبا عبر بلاد البلقان سوف يستمر، رغم كل محاولات إغلاق الطرق أمام زحف السوريين، إلى أن يفيق المجتمع الدولى، غربه وشرقه، إلى ضرورة إخماد حريق الحرب الأهلية المستعر فى بلاد الشام بفعل فاعل، يدمر مقدرات البلاد ويهدد أمن العباد، ويدفعهم قسراً إلى أن يغادروا أوطانهم.

وثمة تقديرات شبه مؤكدة بأن أكثر من مليون سورى جديد فقدوا بيوتهم عام 2015 ويعيشون دون مأوى، يرتبون أنفسهم على مغادرة البلاد فى أول فرصة سانحة، ما لم يقع حدث مهم، يؤكد لهم أن المجتمع الدولى المنقسم على نفسه جاد فى إقرار تسوية سلمية للأزمة السورية فى أسرع وقت ممكن، وأن ثمة توافقاً عالمياً واسعاً على إخماد هذا الحريق، وتيسير سبل الإغاثة لأكثر من خمسة ملايين سورى داخل البلاد يعانون فقدان المأوى وشح الغذاء والدواء، لن يكون أمامهم سوى الانضمام إلى طابور الهجرة إذا استمر الحال على ما هو عليه، خاصة أن الوكالة الدولية لغوث اللاجئين لا تملك دولاراً واحداً يساعدها على مواجهة أزمة متفجرة، تقول تقديرات الأمم المتحدة إنها تحتاج بصورة عاجلة إلى ما يقرب من 750 مليون دولار للوفاء بالحد الأدنى لاحتياجات الإغاثة السورية.

ومع الأسف فإن المشهد على المستوى الوطنى يزيد الصورة بؤساً، بعد أن تجاوز عدد القتلى 350 ألفاً، وبلغ عدد المشردين خارج البلاد 4 ملايين نسمة، يتكدسون فى عدد من بلدان الجوار السورى، الأردن والعراق ومصر ولبنان، أو يهيمون على وجوههم بحثاً عن مكان يؤويهم فى أوروبا، التى تدرك الآن أن الأزمة أكبر من قدرتها على الاستيعاب، لأن هناك أكثر من خمسة ملايين سورى يريدون مغادرة البلاد، وسوف يغادرونها إن بقيت أوضاع الداخل السورى على ما هى عليه، حيث تتعرض العاصمة دمشق، التى تحاصرها جماعات الإرهاب فى مناطق الغوطة الشرقية والغربية، لسقوط عشرات الصواريخ وقذائف الهاون على بعض الأحياء القريبة، بينما تحاول جماعات جيش الإسلام السيطرة على منطقة تل كردى المطلة على ضاحية الأسد شمال شرق العاصمة دمشق، تحاول اقتحامها وتدمير سجن عدرا القريب أكبر السجون السورية، وفى شمال سوريا قريباً من حلب تمكنت جماعات النصرة، أقوى تنظيمات القاعدة فى سوريا، من الاستيلاء على مطار أبوالزهور أكبر مطارات سوريا فى شمال البلاد، بينما تتواصل المعارك فى محيط منطقة الزبدانى على مسافة 40 كيلومتراً من العاصمة دمشق بين الجيش السورى، تسانده جماعات حزب الله اللبنانى، ومقاتلى جبهة النصرة، ورغم انسحاب الجيش السورى من مناطق شاسعة وقعت فى أيدى جماعات الإرهاب للتركيز على أمن العاصمة دمشق، لا يزال الجيش السورى قادراً على تكبيد جماعات الإرهاب خسائر ضخمة، لكن المشكلة الكبرى أن أياً من الطرفين، الجيش وجماعات الإرهاب، غير قادر على إنجاز حسم عسكرى ينهى المعركة لصالح أى منهما، الأمر الذى يطيل عذاب ومأساة الشعب السورى. وكما استمرت هذه الأوضاع أربعة أعوام سابقة، يمكن أن تستمر فترة زمنية أطول دون أن تلوح فى الأفق مبادرة تؤكد متى تضع هذه الحرب المجنونة أوزارها؟ لأن الجميع يعرف أن سوريا لن تنعم بالأمن والسلام لفترة طويلة مقبلة، حتى إن نجحت جماعات الإرهاب فى تقويض الدولة السورية، لا قدر الله، وهو أمر صعب التحقيق، فسوف يجد السوريون أنفسهم فى غمار حرب جديدة أكثر ضراوة وشراسة بين القاعدة وداعش، وبين التنظيمين الكبيرين وعدد من تنظيمات الإرهاب الأخرى، على أمل أن تتمكن أى من جماعات الإرهاب من فرض سيطرتها على الجميع، رغم دعوات أيمن الظواهرى، رئيس تنظيم القاعدة، الأخيرة إلى ضرورة تحقيق وحدة الصف بين «داعش» و«القاعدة» لمواجهة تطورات الأوضاع المحتملة فى سوريا والعراق.

وما يزيد من تعقيد الموقف غياب توافق دولى يوحد جهود المجتمع الدولى لإنقاذ السوريين من هذه الكارثة الإنسانية الضخمة، وتصاعد الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو، كل منهما يتهم الآخر بالعمل على توسيع دائرة نفوذه فى المنطقة، وتصعيد المواجهة إلى حدود التهديد المتبادل، وعلى حين ترى موسكو أن استمرارها فى دعم الجيش السورى والوفاء بالتزاماتها وتعاقداتها تجاه دمشق، يزيد من قدرة الجيش السورى على مواجهة تهديدات «داعش»، تصر واشنطن على أن هدف المساعدات الروسية الأول هو دعم بشار الأسد الذى ينبغى ألا يكون جزءاً من مستقبل سوريا.

وربما لا يختلف الموقف العربى فى جوهره كثيراً عن الموقف الدولى، وإن كان العرب يفضلون فى هذه الظروف أن يغلفوا خلافاتهم بغلالة ناعمة من حرير تظهر بأكثر ما تخفى، لكن ما من شك أن إصرار أطراف عربية على رحيل بشار الأسد كشرط لبدء التسوية السلمية يزيد من خطر المشكلة ويطيل عذابات الشعب السورى، خاصة أن الوقت ينفد، وأن المجتمع الدولى يمكن أن يواجه مفاجأة صعبة إن نجحت جماعات الإرهاب، لا قدر الله، فى تقويض الدولة السورية، لأن تفكيك الدولة السورية وسقوطها يضع الجميع أمام متغير خطير يمكن أن يفجر الشرق الأوسط بأكمله، كما أن اختفاء سوريا من المسرح السياسى والاستراتيجى للشرق الأوسط بعد اختفاء العراق وليبيا يكشف بوضوح أعماق المؤامرة إلى نهايتها، وربما يفجر علانية الخلافات العربية المستترة تحت غلالة رقيقة.

ولا أظن أن أحداً يمكن أن يختلف على أن سقوط الدولة السورية سوف يكون له أثره البالغ الخطورة على استقرار أوضاع منطقة الشرق الأوسط، لأن سوريا كانت دائماً عنصراً مهماً فى تشكيل هذه الأوضاع وترتيب توازناتها وتعزيز المفاضلة بين قواها الإقليمية، فضلاً عن التأثير المباشر على جاراتها الأقرب، لبنان والأردن والعراق والذى ربما يمتد إلى السعودية، والأخطر من كل ذلك تأثير سقوط الدولة السورية على أمن مصر، الذى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن سوريا يصل إلى حد وحدة العقيدة العسكرية، والإيمان الراسخ بأن الدفاع عن أمن مصر يبدأ من سوريا، كما تقول كل المعارك التى جرت على امتداد عصور متتابعة على الباب الشرقى لمصر بما فى ذلك هجمات التتار والمغول والصليبيين والاسرائيليين، ويزيد من أهمية هذا الاعتقاد رسوخه الشديد داخل المؤسستين، المؤسسة العسكرية المصرية والمؤسسة العسكرية السورية، اللتين توجتا هذه العقيدة الراسخة فى حربهما المشتركة عام 73 التى بدأت فى نفس التوقيت على الجبهتين وتحت قيادة مشتركة، وأظن أن الجميع يعرف أنه مهما باعدت الخلافات السياسية بين مصر وسوريا يظل التنسيق العسكرى والتواصل الأمنى قائماً ومستمراً بين البلدين لم ينقطع يوماً واحداً، وعندما تمكنت جماعة الإخوان المسلمين من القفز على السلطة فى مصر بعد ثورة يناير 2011، لم ينقطع التواصل الأمنى والعسكرى بين سوريا ومصر، وثمة أخبار مؤكدة أن الرئيس عبدالفتاح السيسى استقبل قبل بضعة أسابيع على مملوك، رئيس الأمن القومى السورى، الذى زار مصر وأجرى مباحثات مهمة مع العديد من المسئولين، تركزت حول مخاطر الإرهاب على الدولتين المصرية والسورية.

ولا يخفى المصريون تعاطفهم مع الشعب السورى، ورفضهم لتعليق مصير الدولة السورية على جماعات الإرهاب، وكثيراً ما حذرت مصر الأطراف الدولية والإقليمية والعربية من مخاطر العبث بأمن سوريا ومخاطر تقويض الدولة السورية، مع تأكيدها المستمر أن المشكلة السورية لن تجد حلها حرباً وأن التسوية السياسية هى الطريق الصحيح لتحقيق انتقال آمن للسلطة، يحفظ وحدة التراب والدولة السورية، ويمكن الشعب السورى من تقرير مصيره، لأنه وحده صاحب القول الفصل فى من يحكم سوريا، لكن السؤال الحقيقى هنا، ماذا تستطيع مصر؟ وماذا تملك لتغيير الوضع الراهن، غير تعاطفها مع الشعب السورى ويقينها الداخلى بأن تقويض الدولة السورية يمكن أن يؤدى إلى خراب الشرق الأوسط، خاصة أن استراتيجية الولايات المتحدة تقوم على إذكاء كل فرص الصراعات الداخلية فى المنطقة ليصبح الشرق الأوسط وقوداً لحريق يأكل نفسه بنفسه، ويظل غير قادر على تصدير العنف عبر الأطلنطى أو المتوسط إلى أوروبا والولايات المتحدة؟

ومع ذلك فإن واقع الحال يؤكد أن مصر تملك الكثير الذى يساعد على وقف هذه الكارثة الضخمة قبل أن تستفحل آثارها، خاصة أن الغرب يستشعر الآن أن الحل الصحيح للأزمة السورية هو إخماد الحريق داخل سوريا، الذى يدفع بطوفان الهجرة إلى الخارج، ومن الضرورى غلق هذا الملف بأسرع ما يمكن، لأن أبواب الهجرة سوف تظل مفتوحة على مصاريعها إذا استمرت الأزمة السورية تحرق البلاد والعباد، وما يزيد من فرص نجاح مصر إحساس أوروبى متزايد بضرورة الإسراع بتحقيق وفاق دولى يوحد جهود واشنطن وموسكو خلف قرارات مؤتمر جنيف الأول التى ترسم خريطة واضحة تحدد مسار التسوية السلمية للأزمة السورية، ولا يقل أهمية عن ذلك أن تضع مصر عالمها العربى أمام مسئولياته الحقيقية تجاه الأزمة السورية، بحيث يتوافق الجميع على ضرورة الحفاظ على الدولة السورية، لأن الحفاظ على الدولة السورية يظل عاملاً مهماً فى أمن الشرق الأوسط واستقراره.