الإرهاب نتاج طبيعي للسياسات الدولية الخاطئة في الشرق الأوسط

13:01

2015-09-15

بغداد-الشروق العربي- لا ينفي وجود عوامل داخلية عديدة مهّدت الطريق أمام تصاعد نشاط التنظيمات المتطرفة في كثير من الدول العربية، مثل ارتفاع معدلات الفقر وتفاقم مستويات البطالة وتبني سياسات إقصائية على أساس عرقي وطائفي وغيرها من العوامل، أنّ السياسات الخاطئة التي تبنتها العديد من القوى الدولية والإقليمية في منطقة الشرق الأوسط دعمت بدورها انتشار تلك التنظيمات وأنتجت الإرهاب، وفق دراسة للباحث محمد عباس ناجي صادرة عن المركز العربي للبحوث والدراسات.


ويمكن القول إن تلك القوى الدولية والإقليمية كانت رقما مهما في تحويل التنظيمات المتطرفة إلى مصدر رئيسي للتهديدات النوعية الجديدة التي باتت تواجهها الدول العربية في الوقت الحالي، فلم يعد خافيا أنّ البداية الحقيقية لظهور بعض تلك التنظيمات وعلى رأسها تنظيم “الدولة الإسلامية” تعود إلى فترة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حيث ارتكبت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش أخطاء إستراتيجية عديدة فرضت تداعيات وخيمة على العراق، خاصة بعد الإجراءات التي اتخذها الحاكم الأميركي الأسبق في العراق بول بريمر، على غرار حل الجيش العراقي وتطهير مؤسسات الدولة من حزب البعث.

ويبدو أنّ تلك الإجراءات لم تضع في اعتبارها أنّ النظام البعثي العراقي، على غرار بعض الأنظمة السياسية العربية، حرص في الفترة السابقة للاحتلال، على التغلغل داخل مفاصل الدولة، وتمكين الأقلية التي شكلت نواته الصلبة من السيطرة على مؤسساتها.

وبذلك لم تؤد سياسة تطهير تلك المؤسسات من سيطرة البعثيين إلى انهيار النظام فحسب، بل إنها أسهمت في انهيار الدولة بشكل عام. ومن ثم كانت تلك الأخطاء هي المقدمة الحقيقية التي مكنت تنظيم داعش لاحقا من السيطرة على مدينة الموصل في 10 يونيو 2014.

ومن دون شك، فإن حرص إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش على دعم جهود التوصل إلى دستور يكرس فكرة “المحاصصة الطائفية” خصم في النهاية من قدرة الجيش العراقي على مواجهة التهديدات النوعية الجديدة التي ظهرت على الساحة على غرار داعش، وأدى إلى تصاعد حدة الصراع الطائفي بين المكونات السياسية العراقية.

وهو ما يؤكّد أنّ حالة التردد والارتباك التي تتسم بها السياسة الأميركية تجاه الأزمات الإقليمية المتعددة في المنطقة، أسهمت بدورها في تصاعد نشاط التنظيمات المسلحة وتنامي الإرهاب الذي يعد نتاجا طبيعيا لأي سياسات دولية خاطئة، إذ يبدو جليا أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لم تتمكن حتى الآن من بلورة إستراتيجية واضحة المعالم للتعامل مع تطورات الأزمة السياسية والأمنية في كل من العراق وسوريا على سبيل المثال.

كما أنها ما زالت حريصة على تجنب المشاركة بقوة في المواجهات المسلحة مع التنظيم. وهو موقف يشير إلى أن واشنطن تتجه في الوقت الحالي إلى الانسحاب تدريجيا من مناطق الأزمات في المنطقة لصالح الاهتمام بانتقال الثقل الدولي إلى آسيا، حيث تتصاعد قوة الصين على الساحة الدولية تدريجيًا.

كما حرصت الإدارة الأميركية على تأكيد أن دورها في الحرب ضد داعش سوف يقتصر على قيادة التحالف الدولي الذي تم تكوينه في سبتمبر 2014، والذي يكتفي بتوجيه ضربات جوية لمواقع التنظيم في سوريا والعراق، مع تكليف بعض القوات المحلية، على غرار قوات البشمركة الكردية والقوات الحكومية العراقية والميليشيات المسلحة، بمهمة مواجهة التنظيم على الأرض.

ورغم مرور أكثر من ثمانية أشهر على بداية الضربات التي يوجهها التحالف الدولي بقيادة واشنطن ضد داعش، فإن ذلك لم يسهم في تقليص قوة التنظيم أو منعه من التمدد إلى مناطق جديدة.

بدورها، فقد شاركت بعض القوى الدولية الأخرى، على غرار الدول الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا، في تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية في المنطقة، إذ أن مسارعة تلك القوى إلى التدخل بقوة في الأزمة الليبية، على سبيل المثال، فرض في النهاية تداعيات وخيمة على حالة الاستقرار السياسي والأمني داخل ليبيا وخارجها.

وقد أدى التدخل العسكري من جانب حلف الناتو، الذي انتهى بسقوط نظام القذافي، دون الاستقرار على البديل الذي يستطيع ملء الفراغ الناتج عن ذلك وإدارة شؤون الدولة، في النهاية إلى تحول الصراع في ليبيا إلى حرب أهلية بين الأطراف المختلفة، استغلتها الميليشيات المتطرفة لتوسيع نشاطها.

خلاصة القول، يبدو أنّ تزايد نشاط التنظيمات المتطرفة يبقى احتمالا قويا خلال الفترة القادمة، في ظلّ تصاعد حدة الخلاف والصراع بين القوى الإقليمية الرئيسية في المنطقة، التي تتبنى سياسات متباينة في التعامل مع الأزمات الإقليمية المختلفة، واستمرار حالة التردد والارتباك التي تتسم بها السياسة الأميركية في المنطقة، خاصة مع اتجاه واشنطن نحو الانسحاب تدريجيا من مناطق الأزمات، وهو ما يبدو جليا في محاولة انفتاحها على إيران تحديدا، بكل ما يمكن أن يفرضه ذلك من تداعيات مباشرة على الصراعات الإقليمية، التي ستكون الميليشيات المتطرفة سواء الجهادية أو تلك المدعومة من طهران أول الأطراف المستفيدة منها.