الأزمة الليبية في مفترق طرق خطير

12:24

2015-09-13

طرابلس - الشروق العربي - تمر الأزمة الليبية هذه الأيام بإحدى فتراتها المفصلية التي سيتوقف على معطياتها ونتائجها مستقبل البلاد؛ لجهة التغلب على الأزمة، وتدشين مسار السلام والمصالحة لبناء دولة مستقرة، وأيضا لجهة تصعيد مستوى العنف والمواجهات المسلحة بين أطراف الأزمة الأساسيين بغية الحسم العسكري. وبالتالي، يتم بناء ليبيا المستقبل على المدى المتوسط والبعيد وفق إرادة المنتصر وعلى حساب المهزوم.

وهذه النتيجة تحدّدها مجموعة من العناصر والمؤثّرات الداخلية والخارجية، والتي لا يمكن فهم مسار الأزمة واتجاهات تطورها إيجابا أو سلبا، بعيدا عنها.

على المستوى الداخلي يمكن تناول الملف الليبي عبر ثلاثة مداخل هي:

*وضعية الحوار: بعد توقيع أطراف أساسية في الأزمة الليبية، وفي مقدمتها الحكومة المعترف بها دوليا، على اتفاق السلام والمصالحة بالأحرف الأولى في شهر يوليو الماضي في مدينة الصخيرات المغربية؛ عمل المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته وحكومة طرابلس المدعومة من ميليشيات فجر ليبيا، كلّ من موقعه، على عرقلة المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة ممثلة في مبعوثها الخاص برناردينو ليون.

ولا تعوز الأطراف المعرقلة الذرائع لبلوغ غايتها في تعطيل مسيرة الحل؛ حيث تتذرع تارة بكون اتفاق السلام والمصالحة لا يأخذ بعين الاعتبار مقترحاتها حول المرحلة الانتقالية وموقع حكومة طرابلس مقارنة مع موقع الحكومة الليبية المؤقتة المعترف بها دوليا والتي تستند هي أيضا على برلمان منتخب ومعترف به دوليا.

وتتذرع تارة أخرى برغبتها في نقل الحوار من المغرب إلى جنيف، وانتظار تفهم المبعوث الأممي لمطالبها والرد الإيجابي عليها كشرط لانخراطها في العملية السياسية، وهو شرط تعرف حكومة طرابلس، قبل غيرها، استحالة حدوثه خاصة في كل ما يتعلق بإعادة النظر في اتفاق السلام والمصالحة الذي تمّ التوقيع عليه بالأحرف الأولى مما يجعله غير قابل للتعديل بأيّ حال من الأحوال.

وعلى الرغم من الاتهامات الموجهة إلى برناردينو ليون بمحاباة حكومة طرابلس ومحاولة إرضائها بحجة المحافظة عليها كطرف في الحوار، فإن هذه الأخيرة، وفي مفارقة غريبة توجه نقدها اللاذع إلى ليون وتتهمه بمحاولة شق الصف الوطني الليبي لمجرد تنظيمه لقاءات تشاورية مع شخصيات ليبية لا تتبنّى بالضرورة مواقف القوى المتمردة على الشرعية، مع أن استطلاع مختلف الآراء يندرج في صميم مهمة المبعوث الأممي لتكون الاقتراحات التي يتقدم بها في معرض إشرافه على الحوار نابعة من معطيات الواقع وتعكس مواقف مختلف القوى المنخرطة في الأزمة.

بطبيعة الحال، فإن الحكومة الشرعية، من جهتها، لم تكن راضية على سلوك المبعوث الأممي خاصة على مستوى عدم حسمه بتوجيه أصابع الإدانة إلى الطرف الذي يعرقل الحل السياسي للأزمة مع أن هذا الطرف واضح بالنسبة إلى الجميع وما على المجتمع الدولي إلا تحمل مسؤولياته كاملة في دعم الحكومة الشرعية ومؤسسات الدولة الليبية العسكرية والأمنية لمواجهة تحديات الإرهاب والتمرد العسكري التي تصب في طاحونة الإبقاء على واقع الأزمة وإذكائها.

*بدء صنف جديد من المواجهات: يبدو أن ميليشيات فجر ليبيا لا تستعدي الحكومة الليبية الشرعية والجيش الوطني الليبي فحسب وإنما تحولت إلى عدوّ لكل القوى الوطنية الليبية التي ترغب في العمل على طي صفحة الاقتتال الليبي الليبي والتقدم على طريق إحلال الأمن والسلام في ليبيا، بمن في ذلك القبائل الليبية التي رأت في فجر ليبيا والحكومة غير الشرعية عاملا أساسيا من عوامل استمرار الأزمة وتدهور الأوضاع في البلاد على مختلف المستويات.

ذلك أنها لا تمنع التوصل إلى حل سياسي للأزمة فحسب، بل إنها تعرقل كل محاولة لإجراء حوار وطني جدي متعدد الأطراف كما جسّد ذلك منع وفود القبائل من التوجه إلى جلسات حوار كانت مقررة في القاهرة قبل إلغائها، وهو ما أدانه المبعوث الأممي بشدة محملا مسؤولية هذا الموقف لميليشيات فجر ليبيا. وفي تطور لافت أشارت مختلف وسائل الإعلام مؤخرا إلى اندلاع اشتباكات عنيفة بين ميليشيات “فجر ليبيا” المتطرفة وجيش القبائل المدعوم من الجيش الليبي غرب العاصمة الليبية طرابلس، أدت إلى إغلاق الطريق الواصل بين مدينة صبراته ومجمع مليتة النفطي ومدينة زوارة.

*عنصر داعش: وجد تنظيم داعش ضالته في استمرار التناحر بين القوى والميليشيات المتصارعة في عدد من مناطق ليبيا لتركيز مواقعه والتفكير في التمدد. لكن الحكومة الليبية الشرعية على ما يبدو قررت أن تتحرك عسكريا ضد بعض معاقل التنظيم الارهابي قبل فوات الأوان.

في هذا السياق شن سلاح الجو الليبي مؤخرا غارات على تجمعات لتنظيم داعش في حي الساحل بمدينة درنة شرق ليبيا. وفي هذا إشارة واضحة من الجيش الليبي إلى المجتمع الدولي الذي ما يزال مترددا في دعم القوات المسلحة الليبية بالعتاد الذي تحتاجه لمحاربة الإرهاب أنها لن تظل مكتوفة الأيدي بانتظار الحلول السياسية التي ما إن يبدو أنها في المتناول حتى تتحرك القوى المعادية في الداخل والخارج لعرقلتها.

العامل الثاني الذي يؤثّر في مسار الأزمة الليبية يتمثّل في التحركات الإقليمية، حيث أصبح واضحا أن الأزمة الليبية قد تحولت إلى ميدان للمواجهة بين بعض الأطراف الإقليمية ذات المصالح. فمصر، ودول جوار ليبيا عموما، ترى أن من مصلحتها خروج ليبيا من دوامة العنف والإرهاب التي حولتها إلى مصدر حقيقي لتهديدات أمنية جدية لاستقرارها وهي تدرك أن طول عمر الأزمة الليبية لن يكون عاملا مساعدا في حربها الراهنة على الإرهاب.

وهذا ما يفسر المساندة السياسية والاستراتيجية التي أبانت عنها السلطات المصرية منذ استلام الرئيس عبدالفتاح السياسي مقاليد الحكم في البلاد للحكومة الشرعية الليبية والجيش الوطني الليبي. في حين أن قوى إقليمية أخرى، وفي مقدمتها تركيا، وضعت على عاتقها دعم حكومة طرابلس ذات التوجهات الإخوانية.

وتشير معلومات من ليبيا أن تركيا تحاول حماية مصالحها في ليبيا، وخاصة منها العقود التي أبرمتها مع حكومة طرابلس الموالية لجماعـة الإخوان لتنفيذ مشاريع إنشائية بأكثر من مليار دولار وهذا ما يفسر به العديد من المراقبين استماتة أنقرة في دعم الحكومة غير الشرعية.

الطرف الثالث في الملف الليبي هو المجتمع الدولي الذي تبدو عليه علامات التراخي في التعاطي مع الأزمة بحسم، الأمر الذي دفع العديد من المراقبين إلى القول إن الحوار الوطني الليبي محاط في الوقت الراهن بمختلف عوامل الفشل وإنّ الجهود التي يبذلها برناردينو ليون لم تعد تحظى بقبول مختلف أطراف الأزمة الليبية خاصة أنها تحولت إلى شكل من أشكال المناورة السياسية التي قد لا تكون منتجة للحل السياسي وسط رفض الحكومة الشرعية والحكومة المتمردة على الشرعية على حد سواء. فالأولى تتهم ليون باصطفافه إلى جانب جماعة طرابلس المتمردة، وهذه الأخيرة ربطت مساهمتها في أيّ حوار بالاستجابة إلى مطالبها في تغيير اتفاق السلام والمصالحة وهو أمر لا يبدو أنه في متناول أيّ كان بعد التوقيع على ذلك الاتفاق بالأحرف الأولى.

وأمام مفترق الطرق الخطير الراهن في مسار الأزمة الليبية لا يبدو أن اختيار السلام هو الذي ستكون له الغلبة خاصة مع المواقف المعلنة للجماعات التي تؤيد الحكومة غير الشرعية في طرابلس.