النظام السوري... يريد محاربة الإرهاب!

19:59

2014-10-10

خير الله خير الله

فقد النظام السوري أي صلة بالواقع. لا يدرك حتّى أن ليس في استطاعته أن يكون شريكا في الحرب على الإرهاب. يعود ذلك إلى سبب في غاية السلطة. الشريك في الإرهاب لا يستطيع أن يكون في أيّ شكل شريكا في الحرب على الإرهاب.

لعلّ أوّل من يعرف ذلك وزير خارجية النظام وليد المعلم الذي القى قبل أيّام في الجمعية العامة للأمم المتحدة كلمة يعرف قبل غيره أن ليس فيها كلمة صحيحة. افتقد وليد المعلّم، وهو رجل ظريف، روح النكتة هذه المرّة. افتفدها نظرا إلى أنّه يعرف، قبل غيره، أنّ النظام السوري جزء لا يتجزّأ من كلّ ما من شأنه دعم الإرهاب والمتاجرة به والترويج له واستخدامه لابتزاز المواطنين السوريين أوّلا والعرب الآخرين، خصوصا أهل الخليج، وحتى الدول الأوروبية والولايات المتحدة.

قامت كلّ فكرة النظام السوري على تشجيع الإرهاب وايجاد حاضنة له والاستثمار فيه تحت شعاري «المقاومة» و»الممانعة». كان مطلوبا في كلّ وقت ابقاء جبهة الجولان موصدة بإحكام وجعل لبنان «ساحة» يمارس من خلالها النظام السوري لعبة ابتزاز الآخرين عن طريق لعب دور الكابح للإرهاب.

يسعى النظام السوري حاليا إلى استغلال تنظيم «داعش» الذي عمل كلّ شيء من أجل انتشاره، كي يدخل نادي المشاركين في الحرب على الإرهاب. يرفض النظام السوري استيعاب أنّ مشكلته ليست مع «داعش». مشكلته، اساسا، في أنّه مرفوض من الشعب السوري. هذا هو الواقع الذي يرفض النظام القبول به. لو لم يكن مرفوضا من الشعب، لما استمرّت الثورة ثلاث سنوات ونصف السنة وهي مرشّحة لأن تستمرّ إلى ما شاء الله ما دام بشّار الأسد في دمشق.

كلّ ما يستطيع النظام السوري عمله حاليا هو الاستعانة بالميليشيا المذهبية المسماة «حزب الله» كي يذبح شعبه كما ذبحه في الماضي في حماة ومدن أخرى. هذا كلّ ما في الأمر. لم تبق للنظام السوري والذين يساندونه في طهران وموسكو سوى مهمّة واحدة. إنّها مهمّة الخلاص من سورية.

من يستعرض تاريخ النظام السوري، منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة في العام ١٩٧٠، وحتّى قبل ذلك عندما كان وزيرا للدفاع ابتداء من ١٩٦٦، يكتشف أن لا مهمّة أخرى للنظام سوى الانتقام من سورية والسوريين في موازاة تدمير لبنان بشكل منظّم.

افرغ النظام سورية من كلّ شخص سوري يمتلك حيثية. قبل ذلك، كان حزب البعث الذي نفّذ انقلاب الثامن من آذار ـ مارس ١٩٦٣، تولّى عملية بدء الانتقام من الكفاءات السورية.

لم يترك شخصية سورية على علاقة بما هو حضاري في هذا العالم إلّا وانتقم منها. إنّه حزب لا يعرف غير الانتقام من كلّ شخص ناجح في ظلّ الفكر الضحل لدى معظم الذين انتموا إلى الحزب، أو ما زالوا ينتمون اليه.

كان انقلاب العام ١٩٦٦ الذي نفّذه الضباط العلويون خطوة أولى على طريق استفراد حافظ الأسد بالسلطة تمهيدا لقيام حلف الأقلّيات بقيادة العلويين. كان مهمّا الانتقام من لبنان وتدمير مؤسساته من أجل اخضاع المسيحيين فيه وجعلهم تابعا في هذا الحلف الذي يقوده آل الأسد. حصل ابتزاز لهؤلاء بواسطة المسلّحين الفلسطينيين الذين تدفّقوا على لبنان من سورية.

لم يترك الأسد الأب اسلوب ابتزاز إلّا ومارسه في لبنان وصولا إلى إدخال الإيرانيين إليه بعد استهلاكه الفلسطينيين وايصالهم إلى العام ١٩٨٢ تاريخ الاجتياح الإسرائيلي وما تلاه من مآس.

لم يكن النظام السوري يوما بعيدا عن هذه المآسي التي تخلّلها اغتيال رئيس للجمهورية هو رينيه معوض وقبله الرئيس بشير الجميّل...مرورا بالحرب على الشخصيات السنّية الفاعلة.

استغلّ النظام السوري الفلسطينيين أفضل استغلال من أجل وضع اليد على البلد بحجة الحاجة إلى «ضبط مسلحي منظمة التحرير الفلسطينية» على حد تعبير «العزيز» هنري كيسينجر الذي تدخّل لدى اسرائيل لتسهيل عملية الدخول العسكري السوري إلى لبنان...بغطاء عربي طبعا.

لا حاجة إلى عرض كيف تخلّص حافظ الأسد من خصومه، بما في ذلك الضابطان العلويان محمد عمران وصلاح جديد. الأول انتهى مقتولا في طرابلس. ولمّا ارادت السلطات اللبنانية التحقيق في الاغتيال الذي نفّذته امرأة، كان غضب ليس بعده غضب على رئيس الوزراء صائب سلام، رحمه الله، الذي مُنعت طائرته من الهبوط في حلب لدى قيامه برحلة صيد مع مجموعة من رفاقه. أمّا صلاح جديد، فلم يكن حظّه أفضل بكثير من محمّد عمران، إذ قضى في السجن الذي دخله في ١٩٧٠.

من مآثر النظام السوري الاغتيالات التي تعرّضت لها شخصيات لبنانية بدءا بكمال جنبلاط وصولا إلى الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، آخرهم الدكتور محمد شطح...فضلا عن العدد الكبير من الشرفاء الذين قاوموا الوصاية وتصدّوا لها.

في مرحلة ما بعد الخروج الفلسطيني المسلح من لبنان والإبقاء على قواعد لمجموعات موالية للنظام السوري في هذه المنطقة الحدودية أو تلك أو في هذا المخيّم أو ذاك، صار للنظام السوري شريك مضارب في لبنان اسمه ايران التي سعت تدريجيا إلى احلال وصايتها على الوطن الصغير بملء الفراغ الناجم عن الانسحاب العسكري السوري في ٢٠٠٥.

تاريخ ارتباط النظام السوري بالإرهاب تاريخ طويل قبل أن يكون هناك شيء اسمه «داعش» و»القاعدة» وما شابههما. على سبيل المثال وليس الحصر، من قتل السفير الفرنسي في لبنان لوي دولامار في مطلع الثمانينات من القرن الماضي؟

الارتباط بـ»داعش» جزء من هذا التاريخ الذي يحاول المسؤولون في النظام نفيه. كانت كلّ ممارساته، خلال المنافسة بينه وبين النظام العائلي ـ البعثي الآخر في بغداد، ممارسات ارهابية متبادلة. نشأ «داعش» في العراق ولمّا سقط نظام صدّام حسين، انتقل النظام السوري إلى استخدام «داعش» بغية ابتزاز الأميركيين في البداية ثم حكومة نوري المالكي قبل أن تسقط نهائيا في الحضن الإيراني.

بعد الثورة السورية، صارت «داعش» ضرورية أكثر. أصبحت وسيلة لضرب الثورة واظهار السوريين بأنّهم ليسوا سوى «عصابات ارهابية». كان هذا الدعم المتزايد لـ»داعش» الفصل الأخير في مسلسل معروف كيف بدأ وليس معروفا كيف سينتهي.

الأكيد أنّ هذا المسلسل لا يمكن أن ينتهي إلّا بانتهاء النظام السوري. على من يريد بالفعل شنّ حرب على الإرهاب البدء من حيث يجب أن يبدأ، أي في المكان الذي تمدّد فيه «داعش» بعد تلقّيه ضربة قوية تمثلت في اغتيال «ابو مصعب الزرقاوي» في العراق. بكلام أوضح، هناك عنوان للإرهاب اسمه النظام السوري. الانتهاء منه، هو الخطوة التي لا بدّ منها في الحرب الطويلة مع الإرهاب لا أكثر ولا من أقلّ.

الطيّ النهائي لصفحة النظام السوري، الذي سقط عمليا، دليل على مدى جدّية الجهود الدولية للتخلّص من الإرهاب ومن «داعش». هل من يريد بالفعل أن يكون جدّيا في هذه الحرب؟