مرة أخرى.. الغاز المصرى وحسابات المنطقة

14:53

2015-09-07

نشوى الحوفي

«إن التحديات السياسية الدولية والمحلية التى يشكلها الغاز فى شرق البحر الأبيض المتوسط تجعل العوائق الفنية تبدو بسيطة تقريباً». هكذا علق «سايمون هندرسون» مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة فى معهد واشنطن، على كشف الغاز المصرى فى البحر المتوسط بعد إصدار شركة إينى الإيطالية بيانها الأسبوع الماضى. مُحللاً تلك النتيجة التى وصل لها بمفاجأة دول المنطقة المتصارعة فى مصالحها السياسية مع مصر بهذا الكشف الذى وصفه فى تقريره بأنه «الأكبر فى التاريخ».

ما جاء فى تقرير معهد واشنطن -أحد أهم مراكز صنع القرار الأمريكية- يشير إلى خطر هذا الكشف على عدد من الدول فى المنطقة فى مقدمتها إسرائيل التى فوجئت ببيان شركة إينى لهذا الكشف بعد إجراء حفر على عمق 1450 متراً دون علم إسرائيل بهذا التنقيب. وهو ما دفع بوزير الطاقة الإسرائيلى «يوفال شتاينتز» لوصف الكشف المصرى بالقول: «إنه تذكير مؤلم بأن إسرائيل نائمة بينما يتغير العالم ويتقدم». ويبرر «سايمون» فى تقريره المهم تلك المقولة بأن الحقل المكتشف مؤخراً والذى يحتوى على 30 تريليون قدم مكعبة من الغاز، ليس الوحيد فى مصر حسب الدراسات العالمية. فوفقاً لـ«المراجعة الإحصائية للطاقة فى العالم» التى تصدرها شركة البترول البريطانية «بريتش بتروليم»، فإن لدى مصر بالفعل 65 تريليون قدم مكعبة من الاحتياطيات المؤكدة، غير هذا الحقل.

هل يغير هذا فى حسابات إسرائيل تجاهنا؟

الحقيقة: نعم، فوفقاً للتقرير الأمريكى فإن هذا لا يتعلق فقط بتطوير قدرات مصر الاقتصادية وزيادة قوة مكانتها الاستراتيجية وحسب، ولكنه يتعلق أيضاً بالوضع الداخلى الإسرائيلى فى ملف الطاقة وحقول الغاز العاملة بالفعل، وأخرى كانت تعتزم إسرائيل البدء فى استخراج الغاز منها لتصديره لمصر. وهو ما يوضحه «سايمون» بالقول: «لقد زاد استغلال مصر للغاز فى السنوات الأخيرة، مع تراجع صادراتها من الغاز الطبيعى المُسال، كما انخفضت صادراتها منه للأردن بشكل كبير بسبب تخريب خط الأنابيب الذى يمر عبر شبه جزيرة سيناء. وهو ما أدى لتأخير المدفوعات لشركات البترول والغاز الأجنبية، مما حدا بها إلى مراجعة التزاماتها الاستثمارية. إن اكتشاف شركة إينى للغاز قد يُبطل هذا التدهور».

إذن، مرة أخرى تتركز الأبصار علينا بحكم الأقدار. كانت المرة الأولى حينما غيرنا خطط الغرب فى تقسيم المنطقة وتوجيه ضربة لإيران. ولكننا فاجأنا العالم بتغيير المخطط والخروج من دائرة أعوانهم من أصحاب رايات الإسلام السياسى الفاسد، وهو ما نتج عنه قرار أمريكا وإسرائيل بضرورة إعادة إيران للصدارة كفزاعة جديدة لدول المنطقة بتوقيع الاتفاق النووى معها لتستطيع -لمدى محدد ومخطط له- استعادة بعض قوتها بشكل يمنح أمريكا والغرب مبرراً لمزيد من التدخل فى المنطقة لحين النظر فى وضع مصر التى رفضت المخطط أو أوقفت تمدده على أراضيها. وها هو الكشف الأخير يجدد لدى الغرب فكر إعادة النظر فى كيفية التعامل معنا فى حال بدأنا فى استخراج هذا المخزون الهائل الذى تتحدث عنه تقاريرهم. لذا أتفق مع عبارة «سايمون» بأن التحديات السياسية المحيطة بهذا الكشف أعقد بكثير من التحديات الفنية اللازمة لاستخراجه. لا لضعف فى بلادى أو عدم قدرة على التخطيط المستشرف لما قد يحدث. ولكن لزيادة الضغوط والتحديات التى ستواجهنا فى ظل استشعار غربى بأن مصر لن تقبل مجدداً بإملاء القرارات عليها وأنها باتت ترتكن لنقاط قوة لعل أهمها التفاف شعبى حول القيادة السياسية.

إذن، ماذا يتطلب هذا الأمر منا؟

يتطلب رؤية سياسية مستقبلية تقودها نهضة فى التعليم بكل ما تعنيه الكلمة لحماية الوعى وترسيخ الانتماء وامتلاك المهارات. ويتطلب إعلاماً حاضراً بقوة فى فهم القضايا الخارجية وارتباطها بالسياسة الداخلية وتقديم المعلومات لهذا الشعب لحمايته من هجمات التضليل والشائعات التى ستزداد فى الأيام المقبلة. ويتطلب قوانين حاسمة حاضرة بالتنفيذ لكل فاسد مهما صغر أو كبر حجم فساده ليدعم المواطن ثقته فى القيادة السياسية بقدرتها على تحقيق العدالة له. نحتاج التفافاً مصرياً لا يعرف إلا حماية الأرض والأهل من هجمات التتار.