«دعشنة» لبنان

16:04

2014-10-09

نيفين مسعد

فى الوقت الذى يركز فيه العرب أبصارهم على سوريا والعراق حيث يجرى القصف الجوى الكثيف لتنظيم «داعش»، لا يكف هذا الأخير عن محاولة اختراق الجبهة اللبنانية لفتح ثغرة دعم وإمداد عناصره المحاربة فى سوريا بالمال والسلاح. وعندما أشير إلى «داعش» فى هذا المقال فإننى أشير أيضاً إلى تنظيم جبهة النصرة بعد أن وحدتهما غارات التحالف الدولى وجَمَّدت مؤقتاً صراعهما على جدارة رفع الرايات السوداء التى تتوسطها عبارة: محمد رسول الله.

فى شهر أغسطس الماضى تمكنت ثلة من العناصر المتطرفة، المنسوبة زوراً للإسلام، من الاستيلاء على مدينة عرسال التى تقع شمال شرق لبنان على الحدود مع سوريا، والتى تضاعف عدد سكانها مرتين بفعل تدفق اللاجئين السوريين، ودامت هذه السيطرة مدة أسبوع قبل أن يخوض الجيش اللبنانى مواجهة شرسة سقط فيها 19 مقاتلاً من رجاله واختُطف آخرون إلى داخل الأراضى السورية وتم إعدام ثلاثة منهم بدم بارد كما هو دأب كل حَمَلة الرايات السوداء. وفى يوم الأحد الماضى جرت جولة جديدة من المواجهات عندما أغارت مجموعة من هؤلاء المتطرفين على بعض مواقع حزب الله على مرتفعات السلسلة الشرقية لجبال لبنان بالقرب من الحدود السورية، واستولت هذه المجموعة على موقع للحزب فى تلال عين الساعة وقتلت 8 من عناصره قبل أن يستعيد الحزب زمام المبادرة ويسترد الموقع. هذه الاشتباكات التى كان أبرزها فى قرية بريتال تعد هى الأعنف منذ مواجهات عرسال، ولم يشارك فيها الجيش اللبنانى.

ومن قبل هذه التطورات الأخيرة جرت محاولات أخرى لـ«دعشنة» لبنان كأثر من آثار العلاقة المركبة مع سوريا من جهة وبحكم التنافس السعودى- الإيرانى من جهة أخرى. فى عام 2007 برز تنظيم «فتح الإسلام» فى مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين فى شمال لبنان، ومارس التنظيم عدداً من أعمال العنف قبل أن يسيطر الجيش على الموقف. وارتبط هذا الدور لـ«فتح الإسلام» وزعيمه شاكر العبسى وهو أردنى من أصل فلسطينى بتداعيات الخروج السورى من لبنان بعد اغتيال رفيق الحريرى والرغبة فى إظهار أنه فى غياب سوريا ينفلت الأمن. وللمفارقة فإن «فتح الإسلام» نتج فى الأصل من الانشقاق عن تنظيم «فتح الانتفاضة» الذى خرج من رحم حركة فتح بتشجيع من الرئيس حافظ الأسد عام 1983 فى إطار اختلافه مع ياسر عرفات، ثم تحور دوره وارتبط بتنظيم «جند الشام» وجمعته بنظام بشار الأسد علاقة ملتبسة ثم كان من أمر نهر البارد ما كان.

وفى عام 2012 برزت فجأة ظاهرة الشيخ الشاب أحمد الأسير إمام مسجد بلال بن رباح فى مدينة صيدا جنوب لبنان. نصب الشيخ نفسه متحدثاً باسم السنة فى لبنان مستغلاً غياب مرجعية دينية للسنة على غرار المرجعية الشيعية، وناصب حزب الله ونظام بشار الأسد العداء الصريح وأفتى بالجهاد ضدهما. دخل فى مواجهات مع حزب الله وأيضاً مع الجيش اللبنانى كان آخرها فى يونيو عام 2013 عندما سقط 16 من جنود الجيش قبل اقتحام المجمع الذى كان يتحصن فيه الشيخ ويتبخر كما اختفى من قبله شاكر العبسى ولف مصيريهما الغموض.

الشيخ الأسير صناعة إقليمية بالأساس، فنشأته لا تفسر هذه الطائفية السياسية التى ميزت خطابه سواء لجهة كون والدته وجيرته شيعية أو لتربيته فى بيت فنى حيث كان والده عازفاً للعود، الأسير أدى دوراً رسُم له.

فى كل هذه المواجهات الطائفية بامتياز والتى تتسابق على «دعشنة» لبنان، استطاع الجيش اللبنانى أن يحافظ على وحدته الوطنية رغم أنه ينقسم بشكل متساوٍ إلى قسمين كبيرين أحدهما مسلم والآخر مسيحى، فى داخل كل قسم يتم توزيع الحصص والأنصبة بين مكونات الطيف المسلم ومكونات الطيف المسيحى. ومع أنه لا يلوح فى الأفق ثمة احتمال لتجاوز الطائفية السياسية كما جاء فى اتفاق الطائف الذى أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، خصوصاً مع شدة الاستقطاب المذهبى على المستوى الإقليمى، فإن اللبنانيين أحرص ما يكونون على إبعاد الجيش عن أتون الطائفية فهو المؤسسة الوحيدة تقريباً التى يتحقق من حولها أعلى حد من الاتفاق. وفى هذا عبرة لأولئك الذين يبحثون فى مصر عن منفذ أو ثغرة للتمييز بين قيادات عسكرية وطنية وأخرى غير وطنية، ويروجون بخيال مريض لانشقاقات فى صفوف الجيش المصرى وينذرون بتحويل يوم نصره إلى مناسبة لإراقة الدماء. ومع أن حزب الله يقوم بدور فى مواجهة «دعشنة» لبنان فإن دوره جدلى بامتياز، أولاً لأن دعمه لنظام بشار الأسد يؤخذ فى جانب منه على محمل طائفى وإلا ما معنى تبريره التورط فى الحرب السورية بالدفاع عن العتبات الشيعية المقدسة؟ وثانياً لأن علاقته بالجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تخفى على أحد، وثالثاً لأن سابقة اقتحامه بيروت الغربية جعلته طرفاً أساسياً فى الصراع السياسى الداخلى وتركت مرارة فى نفوس السنة كما أكدت أن لسلاح الحزب وظيفة سياسية بخلاف شرف المقاومة.

يحتاج الجيش اللبنانى إلى دعمه عسكرياً للحفاظ على وحدة هذا البلد العربى الفريد فى نوعه، وها هى إيران تعرض تسليح الجيش اللبنانى دعماً لجهوده فى مكافحة «الإرهاب» كما وعد بذلك على شمخانى، الأمين العام لمجلس الأمن القومى الإيرانى، فى زيارته بيروت قبل أيام.

وفى لغة السياسة لا توجد وعود مجانية.. فماذا نحن فاعلون؟