قوارب الموت تحمل الشباب المحبط إلى رحلة بلا عودة

لا تبعد السواحل الليبية أكثر من 300 كلم عن جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، التي يتدفق عليها المهاجرون غير الشرعيين بالآلاف وبأعداد غير مسبوقة.

13:46

2015-08-29

دبي-الشروق العربي-أمضى شيفاز حمزة تسع ساعات متعلقا مع والدته بقطعة خشبية في البحر قبالة ساحل ليبيا قبل أن يصل مركب خفر السواحل الليبي لانقاذه مع عشرات المهاجرين الآخرين. شيفاز تمكّن من النجاة، لكن أمه وشقيقته توفيتا أمام عينيه.

والدة هذا الشاب الباكستاني من بين 76 شخصا على الأقل قضوا إثر غرق مركبهم الخميس أمام مدينة زوارة على بعد حوالي 160 كلم غرب طرابلس، حسب ما أعلن المتحدث باسم الهلال الأحمر الليبي محمد المصراتي، لكن عدد الغرقى قد يكون أضعافا.

وقال المصراتي إنه جرى إنقاذ 198 شخصا من جنسيات عربية وأفريقية في موقع الغرق، معربا عن خشيته من أن عشرات آخرين لا يزالون مفقودين، في حين قال مسؤول في جهاز خفر السواحل إن عدد ركاب المركب الذي غرق الخميس يقدر بما بين 300 و400 شخص.

وقال شيفاز (17 عاما) وهو يجلس إلى جانب شقيقه على الأرض في مركز أمني قرب زوارة بين مجموعة من المهاجرين الذين جرى إنقاذهم “انطلقنا عند نحو الساعة الواحدة والنصف الساعة فجرا (الخميس). كان مركبا خشبيا، على متنه نحو 350 شخصا، بينهم والدي، ووالدتي، وشقيقتي الصغرى (11 عاما)، وشقيقتي الكبرى (27 عاما)”. وأضاف، واضعا يده على جبينه وهو ينظر باتجاه الأرض، “بعد ساعة ونصف الساعة بدأ المركب يهتز، ثم بدأت المياه تتسرب إليه، وسرعان ما وجدنا أنفسنا في البحر وقد تفكك المركب وتحول إلى قطع خشبية. تمسكت أنا ووالدتي بإحدى هذه القطع، ولمحت شقيقي وشقيقتي الصغرى إلى جانبي”.

وتابع شيفاز “تسع ساعات قضيتها مع أمي في المياه، نتمسك بقطعة من الخشب. ظللت أقول لها إن الأمور ستسير على ما يرام. لكن قبل وصول فرق الإنقاذ بربع ساعة، فارقت الحياة. لقد توفيت بين يدي. طلبت من الرجل أن يسمح لي بأخذ جثتها معي، لكنه رفض. أمي ماتت. شقيقتي الصغرى ماتت”. وفي أثناء الحديث معه علم شيفاز أن والده وشقيقته الكبرى نجوا ونقلا إلى المستشفى.

ومع ساحل طوله ألف و770 كلم، تعتبر ليبيا نقطة انطلاق المهاجرين غير الشرعيين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط في رحلة محفوفة بالمخاطر للوصول إلى أوروبا. ولا تبعد السواحل الليبية أكثر من 300 كلم عن جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، التي يتدفق عليها المهاجرون غير الشرعيين بالآلاف وبأعداد غير مسبوقة.

وفي المركز الأمني قرب زوارة، على مسافة قريبة من شيفاز الذي كان يأمل في “فرصة افضل” لعائلته في إيطاليا حسب ما يقول، يردد سامي مقصود الآتي من سوريا، مع صديق له أتى من غزة، على مسامع رجل الأمن المشرف على المركز السؤال ذاته “ماذا سيحل بنا؟” دون أن يحصلا على جواب.

ويقول سامي (25 عاما)، المتحدر من مدينة اللاذقية السورية، جاء إلى ليبيا قبل أربع أشهر من الجزائر حيث كان يعمل منذ ثلاث سنوات “لم أر عائلتي، التي لجأت إلى هولندا، منذ ثلاث سنوات. صعدت في المركب لأراهم بعدما لم أتمكن من الحصول على إذن بلم الشمل. رفض طلبي، فانتقلت من الموت في بلدي، إلى الموت في البحر”. وتابع سامي “تسع ساعات وأنا أفكر بعائلتي وبما سيحل بي. لماذا أموت في البحر؟ هل كتب علينا في سوريا أن نتنقل من موت إلى موت؟”.

ولم يعد مستغربا رؤية المسعفين التابعين للهلال الأحمر الليبي على شاطئ زوارة وهم يبحثون عن الجثث حيث تنتشر على امتداد نحو كيلومترين إلى جانب الأحذية وبقايا الملابس وعبوات المياه البلاستيكية. وتوقف الموكب بعد العثور على جثة رجل، فنزل خمسة أفراد من سيارة إسعاف يرتدون معاطف بيضاء ويغطون أفوههم بكمامات، ووضعوا الجثة في كيس بلاستيكي برتقالي، ونقلوها إلى سيارة الإسعاف. وعلى بعد أمتار قليلة، عثر الفريق على جثة ثانية، ثم ثالثة.