داعش تنظيم يفكر في البقاء لا يمكن مجابهته بالأوهام

21:46

2015-08-26

دبي-الشروق العربي-عناصر الدولة الإسلامية سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا تشغل الأوساط الدولية ووسائل الإعلام العالمية التي ما فتئت توجه انتقاداتها إلى الأساليب الوحشية التي يعتمدها التنظيم، والتي تتراوح بينها قطع الروؤس والذبح الجماعي للعزل، والاستعباد الجنسي للنساء والفتيات.

ويلفت تقرير صادر عن الموقع الإلكتروني لمجلة فورين بوليسي الأميركية أنه إذا ما تم اعتماد التاريخ الغربي معيارا، فإنّ “الدولة الإسلامية”، تسير بممارساتها تلك على نفس الطريق الدموي الذي انتهجته العديد من الدول الغربية في السابق لنيل الشرعية العالمية.

ويؤكد التاريخ أنّ ارتكاب الأعمال الوحشية لم يكن يوما عائقا أمام نيل الشرعية الدولية بمفهومها الغربي، حيث أن الحكومة الثورية الفرنسية سبق لها أن أعدمت ما بين 30 و40 ألف شخص بشكل علني باسم الحرية والمساواة والإخاء.

وفي بداية تسعينات القرن الثامن عشر، واجه حوالي 150 ألف مواطن فرنسي الموت بأشكال مختلفة من إطلاق النار عليهم والحرق حتى الموت والتقطيع، وصولا إلى الإغراق عمدا في منطقة فيندي. وقد سبق للجنرال الفرنسي فرنسوا جوزيف وسترمان، الذي تفيد أنباء بأنه قام بتدوين عدة شهادات حول تلك الحملة وحشية أن قال “لقد سحقت الأطفال تحت أقدام الأحصنة، وذبحت المرأة، التي على الأقل، لن تلد مزيدا من اللصوص، لقد قتلت الجميع. والطرق كانت تغصّ بالجثث، وهذا يعتبر سيئا للغاية، لكنّ الرحمة ليست شعورا ثوريا”.

والأكيد أنّ الاطّلاع على مثل هذه الشهادات لا يجعل قراءة التاريخ أمرا ممتعا، ولكن بالمقابل فهو يوضّح للمهتمّ كيف أصبحت فرنسا اليوم من بين أهم القوى الأوروبية وحليفا رئيسيا للولايات المتحدة.

ومنذ سنوات كثيرة مضت، قامت السلطات العثمانية بين عامي 1915 و1918 بقتل أكثر من مليون شخص من الأرمن في ما يطلق عليه أغلب الناس الآن “إبادة جماعية”، ما عدا تركيا التي رفضت الاعتراف. وبعد مرور حوالي مئة عام على تلك الإبادة، كوفئت تركيا بأن أصبحت حليفا حيويا لحلف الناتو.

داعش على ما يبدو يفهم دروس التاريخ التي لا مكان فيها للشفقة ويعي أن الزمن كفيل بالتخفيف من حدة الجرائم الوحشية

ويرى مؤرخون أنّ تكوين الدول وتعزيزها لقوتها على أرض الواقع كثيرا ما كان بشكل عام عملا دمويا. ويعرف المؤرخون وعلماء الاجتماع وعلماء الأنثروبولوجيا وعلماء السياسة هذا الأمر جيدا، ولكن يميل الكثير منهم إلى تجاهل هذا الأمر أو تعديله في كتب التاريخ. وبمجرد أن يبدأ المرء في التنقيب في تاريخ أيّ دولة ناجحة وحديثة و”منورة ثقافيا” فلن يستغرق الأمر الكثير من الوقت حتى يأخذه بحثه إلى التقصي عن عدد الجثث التي قامت على جماجمها تلك الدولة.

 

حرب الثلاثين عاما، على سبيل المثال، التي امتدت على مساحات واسعة من أوروبا وتسببت في قتل ثلث السكان في العديد من الأقاليم، غالبا ما ينظر إليها العلماء على أنها أدت إلى قيام الدولة القومية الأوروبية. وبعد أربعة قرون منذ ذلك الحين، أدى توحيد الدولة الأوروبية إلى قتل ملايين البشر.

حيث سبق لأوتو فون بسمارك مهندس الوحدة الألمانية أن قال في هذا الصدد “إنّ القضايا الكبرى لا تقرر بالخطب وقرارات الأغلبية، ولكن بالحديد والدم”.

بين عامي 1861 و1865، حارب مئات الآلاف من الأميركيين من أجل “حق” استعباد حوالي أربعة ملايين آخرين من مواطنيهم الأميركيين، ومات مئات الآلاف قبل حلّ تلك القضية، تاركين الحكومة المركزية الأميركية أقوى من أي وقت مضى.

 

تواصل المسار الدموي

 

لا شيء يمكن أن يقدّم عذرا للأعمال الوحشية التي يقوم بها تنظيم “الدولة الإسلامية” اليوم، خاصة في ظلّ هذا العصر الذي أقرّت فيه حقوق الإنسان الأساسية بشكل عالمي. ولكن لا يجب تجاهل الاستمرارية التاريخية بين السلوك الحالي للدولة الإسلامية والسلوك السابق لعشرات الدول التي تعتبر الآن جهات عالمية فاعلة ومثالية. ومن المخاطرة أن يحدث سوء فهم للمنطق الدافع الكامن وراء عنف تلك المجموعة، وهو أمر إذا لم يتم التنبه إليه فهو سيزيد حتما من احتمالات فشل جهود الولايات المتحدة وحلفائها لإنهاء هذا العهد من الإرهاب.

جرائم الدولة الإسلامية استمرار لفظاعات ارتكبتها دول كبرى شأن تركيا وفرنسا هي اليوم حليفة للولايات المتحدة

ويسمح الفشل في النظر إلى أفعال “الدولة الإسلامية” في إطار تاريخي معين، للمرء بأن يبقي على الوهم المريح القائل بأنّ تلك الدولة تعدّ ضربا من الجنون، أو كما قال رئيس الولايات المتحدة الأميركية باراك أوباما في عام 2014 “ليست لديهم رؤية غير الذبح”، أو في عام 2015 عندما قال “لا يمكنها أبدا الفوز على أي أحد بأفكارها وأيدلوجيتها لأنها لا تقدم شيئا”.

ويلفت تقرير مجلة فورين بوليسي إلى أنه من الخطأ تصديق مثل هذا التوجه، خاصّة أنّ زعيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي الذي يعدّ مسؤولا عن الآلاف من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لا يمكن أن يعتبر رجلا أحمقا، وفق جيسكا ستيرن وجي أم بيرجا في كتابهما الأخير عن الدولة الإسلامية، بل يجب مراعاة العديد من الجوانب المتعلقة بشخصيته من أجل تحصيل فهم أعمق، من أبرزها أنه تأثر فكريا بكتاب إدراة التوحش لأبي بكر ناجي، الذي يحث على استخدام التغطية الإعلامية الجيدة للأعمال الوحشية كوسيلة لزرع الاحترام والخوف بين كل من أعداء ومؤيدي الفكر الإسلامي المتطرف. وصحيح أن الدولة الإسلامية تتميز بالوحشية، ولكن من المؤكد أنها تملك رؤية إلى ما وراء الذبح، على الرغم من كلمات أوباما التي تفيد بأنها لا تملك أي رؤية. وقد تجلت نظرة الدولة الإسلامية في قدرتها على استقطاب آلاف المجندين الشباب من مختلف أنحاء العالم.

ومن المحتمل أن يكون من الحكمة أن يفترض المرء أن قيادة الدولة الإسلامية تفهم دروس التاريخ التي لا مكان للشفقة فيها، وأن الزمن كفيل بالتخفيف من حدة الجرائم الوحشية، حيث أثبت التاريخ أن المجتمع الدولي قادر على التسامح مع أشد الجرائم فظاعة بمجرد مرور عقود قليلة من الزمن.

 

فرضية احتواء جديدة

 

الثابت أنّ الولايات المتحدة لا تحظى بسمعة جيدة، خاصة إذا ما تعلق الأمر بقصر ذاكرتها وعجزها عن الرؤية البعيدة: حيث أن أميركا كأمة تركز اهتمامها على “الحاضر” وغير قادرة على تطوير أو الحفاظ على رؤية استراتيجية تستمر لأكثر من بضع سنوات. ومن المحتمل أن يكون قادة الدولة الإسلامية مستوعبين لقصر الذاكرة ذاك، ولذلك فهم رغم وعيهم بشكل جيد أن مستوى الوحشية الذي يميزهم في الوقت الحالي يسبب لهم العداء الدولي، إلاّ أنّهم يمكن أن يقامروا بأنهم في حال استطاعوا تدعيم سيطرة “دولتهم” على عدد كاف من آبار النفط والموانئ ومصادر الثروات الأخرى بالإضافة إلى تقليل أعمالهم الوحشية، فإنهم سيبقون في انتظار الشرعية الدولية بعد ذلك.

قادة الدولة الإسلامية يعون بشكل جيد أن مستوى الوحشية الذي يميزهم في الوقت الحالي يسبب لهم العداء الدولي

وانطلاقا من ذلك، هنالك فرضية تقول بأنه لو تم التعامل بهذا المنطق مع الأعمال الوحشية لتنظيم الدولة الإسلامية، فربما يكون المجتمع الدولي قادرا على إجباره على التخلي عن الكثير من الشناعة والعنف بسرعة أكبر من خلال وسيلة بسيطة وهي تركه بمفرده.

وحتى الآن، يبدو أنّ الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة ضد التنظيم قد حققت بعض النتائج الإيجابية، وعلى الرغم من أن مسؤولين أميركيين قالوا إن الحملة قد قتلت أكثر من 10 آلاف مقاتل تابع للتنظيم المتشدد، فإن مصادر استخباراتية صرحت بأنه لم يصب بأي ضعف أساسي. وفي ظلّ احتمال أن الوضع الراهن ربما يدوم مدة أطول، فإنّ الحملة الجوية بقيادة الولايات المتحدة تبدو غير كافية لهزيمة التنظيم و تدميره، ولكنها كفيلة بزيادة عدائه للغرب.

ولذلك يجب أن تعمل القوى العالمية على احتواء التنظيم الجهادي وفق أساليب وأطر جديدة وإغراءات وهمية من أجل تفكيكه بشكل ناجع، بدلا من مواصلة محاولتها الحالية غير الفعالة لتدميره بشكل غير ناجع.

وعلى الرّغم من أنّ هذه الفكرة مُحبطة في ظاهرها إلاّ أنّها تكشف أنّ فرضية التوقّف على قصف تنظيم الدولة الإسلامية يمكن أن يسرع من كبح جماحه تلقائيا، حيث أن قادته، ومثل أي نظام وحشي سبقهم، قد يتوصلون إلى استنتاج مفاده أن الأعمال الوحشية في النهاية تولد الفوضى الداخلية والتمرد.بالطبع، لا يجب أن يسقط صانعو السياسيات وهم يفكرون في هذه الفرضية، إمكانية عدم وجود أي نية لدى البغدادي ودوائره الداخلية لتقليص العنف، وربما هم ينوون مواصلة القدر الحالي من الوحشية إلى أجل غير مسمى، وربما ليس لديهم أي اهتمام بممارسة تحكم دائم في أي رقعة أرضية، ففي جزء كبير من التاريخ الإنساني، كان الولاء للدين والدم أكثر أهمية من السيطرة على رقعة ثابتة من الأرض. كما أن التغيرات الجيوسياسية الأخيرة تصنع أشكالا إقليمية للولاء والقوة والسيطرة التي تبدو قابلة للاستمرار. وربما لا يهتم قادة الدولة الإسلامية بمسألة طردهم من العراق أو من سوريا، طالما أنه بمقدورهم كسب أنصار جدد ومصادر جديدة للثروة والقوة في أماكن أخرى، حتى وإن كانت هذه الأماكن متغيرة وغير متجاورة، وهو ما توحي به تصريحاتهم.

خلاصة القول، عندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بمستقبل تنظيم الدولة الإسلامية، تبرز الكثير من المسائل التي لا يمكن التنبؤ بها أهمها مدى قدرة ذاك التنظيم على الحفاظ على نفسه، أو مدى عزم المجتمع الدولي على هزمه. كما أنه في ظل المتغيرات الدولية الحالية المعقدة من الصعب معرفة الأشكال التي سيأخذها العالم والسياسة والقوة العسكرية خلال العقود المقبلة، وهو ما يفتح المستقبل على عديد الاحتمالات.