القرضاوى أم زعتر السيكوباتى

15:15

2014-10-08

ثروت الخرباوى

لا يوجد فى الإسلام شىءٌ اسمه «رأى الدين»، لذلك إذا تصادف وفتحت المذياع وسمعت الصوت الجهورى للسيد المذيع وهو يقدم لك أحد البرامج قائلاً: أنت الآن على موعد مع برنامج «رأى الشرع»، فلك أن تغلق الجهاز وأنت مطمئن البال، إذ من المستحيل أن يستضيف المذيع السيد «دين» أو السيد «شرع»، ولكنه سيستضيف الشيخ «عبدالقادر الزنفلى»، أو الشيخ «عباس الدرملى» والشيخ الزنفلى لن يقول لك رأى الدين، ولكنه سيقول لك رأيه هو إن كان له رأى، فإن كان من أصحاب النقل، فإنه سينقل لك رأى بعض القدماء من الشيوخ كمالك وابن حنبل والشافعى وابن تيمية، وقد تكون دائرة معارف الشيخ الدرملى فى النقل أوسع من دائرة الشيخ الزنفلى، ساعتها سينقل لك رأى بعض الصحابة كالعبادلة ابن عباس وابن عُمَر وابن عمرو، ولكن كلها يا صديقى آراء منسوبة للبشر، قالوها وهم يجتهدون فى فهم الدين والشرع، أصابوا أو أخطأوا، وحين أصابوا، فإنهم أصابوا لزمنهم فقط، بمعنى أن صوابهم هذا قد يكون خطأً فى زمن آخر وفى ظروف أخرى، ونفس الأمر بالنسبة للخطأ إذ قد يكون صواباً فى زمن آخر وفى ظروف أخرى!.

يبدو أن للقلم سطوته، فقد أمسكت به لأكتب لكم مقالة عن شخصٍ ما، فإذا به يجرنى للحديث عن فكرة ما، ولنكن صرحاء، أردت أن أتحدث عن الشيخ يوسف القرضاوى، فإذا بى أتحدث عن الفارق بين الدين والإنسان، فالدين هو التنزيل الإلهى المطلق، أنزله الله على الإنسان النسبى، وطلب من النسبى أن يتعامل مع المطلق، وأظن أن المسألة بسيطة ليس فيها تعقيد، فأنت أيها النسبى لا يمكن أبداً أن تصل للمعرفة الكلية الكاملة للنص الإلهى المطلق، وقد أجاز لك الله أن تفهم النص على قدرك.

ولكن ما الذى دعانى إلى هذا الخلط؟! أيكون الأمر متعلقاً بعقولنا التى تعودت على الخلط بين الرجل والدين! أحببنا الشيخ فلان، فأصبح مقدساً فى عيوننا، نغفر له زلاته بل نبررها له ونحوِّلها إلى كرامات، اشتركنا جميعاً إلا من وهبهم الله الفهم فى هذا الإثم، فظلمنا الإسلام وأسأنا له ونسبنا له أفكار ناس، وتخاريف ناس، وترهات ناس، وسوءات ناس، كره بعض الشيوخ الدنيا فلعنوها، فقلنا إن الإسلام يلعن الدنيا وما فيها! أصيب بعض الشيوخ بأمراض نفسية مستعصية فسبوا وشتموا وملأوا الدنيا كراهية وحقداً وغلاً، وكانوا وهم يفعلون ذلك يقولون: «هذا رأى الدين»، أو «هذا رأى الشرع»، فقلنا إذن هذا هو الإسلام.

أتعرفون هذا الولد الصغير الذى كان يعذب القطط ويكذب بنعومة فائقة، ويوقع بين أصحابه، ويختلق عليهم الأكاذيب، هذا الطفل «السيكوباتى» عندما شب عن الطوق رجلاً وقور المظهر، احترف المشيخة وارتدى ثوب الدين وأصبح «الشيخ زعتر» فإذا به يصدر الفتاوى التى تبيح القتل والتعذيب والتنكيل، كل الناس عنده فى النار، إلا من رضى هو عنهم، فإذا ما أصدر الشيخ «زعتر السيكوباتى» فتاواه هذه المستخرجة من نفسيته المريضة، قال بعضنا: هذا هو الإسلام!.

لا الشيخ زعتر السيكوباتى هو الإسلام، ولا رأيه هو الدين، ولا الشيخ يوسف القرضاوى هو الشرع، بل هو واحد من آحاد الناس يجرى عليه ما يجرى على غيره، ولكن الذى يؤلمنى أنا شخصياً أننا قرأنا هذا الرجل قراءة خاطئة، فاعتبرناه من رجال الوسطية والاعتدال والتيسير، فرحنا جداً بكتابه: «الحلال والحرام» وسعدنا بسلسلة كتبه عن الصحوة الإسلامية، ثم فوجئنا بمواقفه الأخيرة التى تدل على أن هذا الرجل لا يعرف معنى الصحوة ولا الوسطية ولا الاعتدال ولا التيسير، ولم يحدث أن اقترب من «المصالح المرسلة» أو سار فى شارع «القياس» ويكفى أنه قال أخيراً فى قناته الفضائية المسماة الجزيرة: «إن فتح باب الجهاد بفلسطين لا يعتبر ضرورة ولا واجباً شرعياً حالياً، لأن الله يختبر صبر المؤمنين هناك، وإن الواجب حالياً هو الجهاد ضد بشار الأسد، رئيس سوريا» وبذلك عرفنا أن الله أنزل على سيدنا يوسف بن عبدالله القرضاوى الملاك جبريل ليوحى له بأن الجهاد الجهاد هو ضد بشار، أما فى القدس فلا جهاد لأنه اختبار!.

ودعك من «عك» القرضاوى فى الفتاوى الكثيرة التى أطلقها فى الحقبة الأخيرة والتى أساءت له هو، ودعك من تحليل بعضهم بأن الرجل قد وصل إلى التسعين من عمره منذ أيام، لذلك فإنه يهرف بما لا يعرف، لأن الحقيقة غير ذلك، إذ عندما رأيت القرضاوى بهذه الصورة وهو الذى كانت له منزلته فى نفسى، فقلت إن الحب أحياناً يورث التهلكة! وإننى قد أكون قد وضعت هذا الرجل فى تلك المنزلة من قلبى لأسباب الهوى، فلأتخلص من هذا الهوى، ثم أعيد القراءة له مرة أخرى، فعين الهوى عن كل عيب كليلة، وكان أن مكثت أياماً وأسابيع أقرأ ما سبق أن قرأته لهذا الرجل، وهو كل ما كتب وكانت المفاجأة التى جعلتنى أقول: لعنة الله على حب أخفى الخطايا، فالقرضاوى بما كتبه أيام كنا نعتقده رمزاً للاعتدال ما هو إلا أحد رموز التطرف والتكفير، بل إنه أحد أكبر دعاة التكفير فى عصرنا، والخطورة أنه كان يضع أفكاره المشوهة فى جراب فاخر، ألوانه براقة تخطف الأبصار، فسحرت عيوننا ألوان جرابه، ولم ننتبه للثعبان الذى فى الجراب! وحتى أكون عادلاً معه سأنقل لكم فقرات من كتابه الذى يواجه به ظاهرة التكفير، ولك أن تنتبه يا صديقى أننى اخترت هذا الكتاب، مع أن غيره يحفل بالأكثر، وإنما أنقل من هذا الكتاب بالذات لأنه وضعه ليواجه به جنوح شباب التيار الإسلامى للتكفير، وعنوان الكتاب هو «ظاهرة الغلو فى التكفير»، طبعة دار الاعتصام، عام 1978 فماذا قال فيه؟!.

عندما تقرأ يا صديقى هذا الكتيب الصغير ستجد القرضاوى يضع لك النصوص التى تؤكد أن الإسلام ضد «الغلو فى التكفير»، هذا شىءُ عظيم، ثم يتحدث عن شباب جماعات التكفير وأولئك الذين يكفرون كل الدنيا، فماذا قال عنهم؟! قال شياخته: «إن هؤلاء المكفرين أناسٌ متدينون مخلصون، صوامون قوامون، غيورون، قد هزهم ما يرونه فى المجتمع من ردة فكرية، وتحلل خلقى، وفساد اجتماعى واستبداد سياسى، فهم طلاب إصلاح، حريصون على هداية أمتهم، وإن أخطأوا الطريق وضلوا السبيل، فينبغى أن نقدر دوافعهم الطيبة».

حسنٌ أيها الشيخ الطيب، أنت تريد من المجتمع أن يُقَدِّر الدوافع النبيلة لهؤلاء التكفيريين، فهم عندك طلاب إصلاح! حريصون على هداية أمتهم وليس قتلها وسفك دمها، ثم ماذا بعد أيها الشيخ، هل هناك تبريرات أخرى لهؤلاء التكفيريين؟! يقول شياخته: «الدارس المتتبع لأسباب هذه الظاهرة ظاهرة التكفير يجد أنها تتمثل فى أمور، منها انتشار الكفر والردة الحقيقية جهرة فى مجتمعاتنا الإسلامية، واستطالة أصحابها وتبجحهم بباطلهم، واستخدامهم أجهزة الإعلام وغيرها لنشر كفرياتهم على جماهير المسلمين دون أن يجدوا من يزجرهم أو يردهم عن ضلالهم وغيهم»، ههههه، أضحك الله سنك يا شيخ، سبب الغلو فى التكفير هو أن المجتمع انتشر فيه الكفر والكفار، وأمسى هؤلاء الكفار الفجرة يعرضون كفرهم وردتهم عن الدين فى القنوات الإعلامية المختلفة دون أن يكون هناك من يزجرهم ويشكمهم! «ههههه والله أنت غريب يا راجل إنت».

ويستطرد «القرضاوى» بأنه زاد الطين بلَّة: «تساهل بعض العلماء فى شأن هؤلاء الكفرة الحقيقيين وعدهم فى زمرة المسلمين، والإسلام منهم براء»، هذا هو القرضاوى الذى يواجه ظاهرة التكفير بقوله إن الظاهرة زادت لأن الكفار زادوا! أما من هم هؤلاء الكفار؟ فلك أن تعلم أنهم كل أصحاب الثقافات المتنوعة، والأفكار السياسية المتباينة، ليبرالية كانت أو اشتراكية، علمانية كانت أو قومية، بمعنى أن كلنا عند القرضاوى كفرة! هل تجده يفرق كثيراً عن الشيخ «زعتر السيكوباتى».