وجوه السادات المتعددة

17:44

2014-10-06

مكاوي سعيد

«أنا شاب متقدم للبكالوريا هذا العام، طويل. وسطي رفيع جدًا، وصدري مناسب، وسيقاني قوية مناسبة، لوني ليس كما في الصورة لأنني أغمق من الصورة قليلاً، والآن أصف لكم الجزء العملي: أنا متحكم في صوتي بمعنى الكلمة، فتارة تجدني أقلد صوت يوسف وهبى، وتارة تجدني أقلد صوت أم كلثوم، وهذه خاصية أظنها نادرة، ولي أذن موسيقية محضة وفيّ قوة أحكم بها على الموسيقى، ولي ذوق سليم في الحكم على إخراج الروايات وعلى مواضيعها، ولي شعر أسود ومجعد ولكنه خشن، وبقية أعضاء وجهي كما في الصورة المرسلة..».

 

هذا هو نص الخطاب الذي أرسله محمد أنور السادات إلى مقر شركة الإنتاج السينمائي التي كانت تملكها آنذاك الفنانة أمينة محمد في عام 1935 بعد أن قرأ إعلانًا تطلب فيه الفنانة أمينة محمد وجوهًا جديدة لفيلمها «تيتا وونج» الذي كانت بصدد إنتاجه (وقد أنتج هذا الفيلم فعلاً في عام 1937).

وقد قال السادات فيما بعد إنه «توجه إلى مقر الشركة، ثم جاءت الفنانة أمينة محمد واستعرضتنا جيئة وذهابًا، وكنا أكثر من عشرين شابًا، انتقت منا اثنين وطلبت من الباقين أن يرسلوا لها صورتين إحداهما «فيس» والثانية «بروفيل» ولم يكن هذا المطلب إلا زحولة!.

هذا وجه مدهش من الوجوه المتعددة لأنور السادات، وأبرزها طبعًا وجه السياسي المحنك الذي يتورط في تهمة التخابر مع ألمانيا في إبان الحرب العالمية الثانية، ويسجن لهذا السبب بعد اعترافه بأنه تعاون مع الألمان من أجل إخراج الإنجليز من مصر، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وكان قد هرب من سجنه، سقطت الأحكام العرفية فعاد السادات إلى بيته بعد ثلاث سنوات من المطاردة، ولم يكتف بذلك، بل التحق بتنظيم سري وشارك في اغتيال وزير المالية المصري «أمين عثمان» الذي كان ضمن حكومة الوفد، وكان رئيسًا لجمعية الصداقة المصرية البريطانية، وشديد التعاطف مع الإنجليز، لدرجة أنه اتهم من قبل بعض الجهات السيادية ووسائل الإعلام بخيانة مصر، وكان السادات من الذين وردت أسماؤهم ضمن المجموعة التي اغتالت أمين عثمان في عام 1944 وقد تصدى للنائب العام أثناء مرافعته بالشعارات الوطنية، وقد سجن عامين ونصف على ذمة هذه القضية، قضى منها عامًا ونصف محبوسًا حبسًا انفراديًا قبل أن يحكم ببراءته وسقوط التهمة لعدم ثبات الأدلة.. وكما هو معروف بعد ذلك أكمل السادات مسيرته السياسية بالاشتراك في تنظيم الضباط الأحرار والذي بفضله بعد نجاح ثورة 1952 تبوأ السادات عددًا من المناصب السياسية إلى أن حكم مصر وأخذ قرار الحرب ضد إسرائيل فى مثل هذه الأيام وبفضله عبرنا القناة وأصبحنا فى موقف تفاوضى أفضل.

وهناك وجه آخر للسادات وهو وجه المفكر والأديب، وله في ذلك إسهامات متعددة منها أنه كان يمارس كتابة الأدب الساخر ويروي السادات في كتابه «30 شهرًا في السجن» كيف أصدر مع بعض رفاقه صحيفة ساخرة بعنوان «الهنكرة والمنكرة» كما قام بعمل إذاعة داخل السجن وقدم بنفسه فقرتين وكان يكتب في لوحة إعلانات السجن وبرنامج اليوم.. كما تولى رئاسة تحرير جريدة الجمهورية في أول إطلالتها، وأصدر في بداية الثورة كتابًا يمجد فيه عبدالناصر اسمه «هذا عمك جمال يا ولدى»، وفي أثناء توليه حكم مصر أصدر كتابًا آخر يتناول سيرته الذاتية اسمه «البحث عن الذات».

وفي رأيي أن وجوه السادات المتعددة تتفق في شيء رئيسي، وهو رغبته الشديدة في أن يكون في بؤرة الضوء، ومرسى لنظرات الناس حتى لو كلفه ذلك حياته، ومن أدلتي على ذلك اهتمامه الشديد بالأناقة والشياكة حتى اعتبره خبراء الأناقة العالميين من أشيك عشرة رجال في العالم، ثم قراره الجريء المدهش الخطير بالسفر إلى إسرائيل والصلح مع العدو بعد حرب أكتوبر.. رغم اتفاقنا أو اختلافنا حول قراره هذا، لكنها شجاعة منقطعة النظير، خاصة أن أيامها كان مجرد قراءة كتاب صادر من إسرائيل أو تبني رأي لأحد الإسرائيلين المعارضين للحكومة الإسرائيلية حتى، يعتبر من قبيل الخيانة العظمى، لكنه فعلها واسترد بها بعض الأرض العربية المحتلة وعلى من يأتي من بعده أن يكمل طريق تحرير كل الأراضى المسلوبة من الوطن العربي، وأنا لست متفقًا مع بعض المغاليين في التطرف أيامها وصولاً إلى الآن، والذين مازالوا يتهمونه بالخيانة أو بيع القضية الفلسطينية، وعندي شواهد تثبت وطنية السادات الشديدة وكرهه للإسرائيليين وكراهيته لمن يخون الوطن.. منها الحادثة الشهيرة الخاصة بالجاسوسة المصرية «هبة سليم» التي نقلت أسرار وخرائط مواقع الصواريخ التي كانت تعدها مصر للحرب- وكان ذلك قبل العبور- إلى إسرائيل وقبض عليها وتم الحكم عليها بالإعدام، وبعد حرب أكتوبر 1973 كان هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي، في مقابلة مع السادات في أسوان وهى أول زيارة لمسؤول أمريكي إلى مصر، وفوجئ السادات بكيسنجر يطلب منه بناء على رغبة شخصية من جولدا مائير أن يخفف الحكم على هبة سليم التي كانت تقضي أيامها الأخيرة في أحد السجون المصرية، وانتبه السادات إلى أن هذا الطلب سيكون بداية لطلبات أخرى ربما تصل إلى درجة إطلاق سراحها، فنظر إلى كيسنجر قائلاً: تخفيف حكم؟ لقد أعدمت، وعندما سأله كيسنجر بتعجب: متى؟ رد السادات دون أن ينظر لمدير المخابرات الحربية الذي كان يقف على بعد خطوات وكأنه يصدر له الأمر: النهارده، وتم تنفيذ حكم الإعدام شنقًا في هبة سليم في اليوم نفسه في أحد سجون القاهرة.

كذلك هناك صورة شهيرة للسادات مع وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، موشي ديان، في أثناء رحلته الشهيرة تلك إلى إسرائيل، والسادات فيها يرتدي بدلته الشيك ويستمع باهتمام لموشي ديان والكرافت الذي يزين عنق قميصه عبارة عن تشكيلات متداخلة للصليب المعقوف رمز النازية، هذا الرمز الذي كان ومازال يعد بمثابة شبح مروع وكابوس رهيب على الإسرائيليين، يرتديه السادات دون أن يأبه لمشاعرهم رغم أنه فى زيارته الأولى لهم، ولمن يقول إنها مصادفة فليفسر لي سبب حرصه على ارتداء الزي العسكري الذي صنعه له خبراء ألمان على نمط الزي العسكرى النازي.

رحم الله السادات الذي مات في ذكرى انتصاره، والذي أودى به حبه المفرط للأضواء، الذى جعله من شدة حرصه على ألا يفسد أناقته، يرفض ارتداء القميص الواقي لأنه اعتبره مخربًا لمظهره الجميل لأنه يظهره بدينًا ومنتفخًا!.