من عصر الجيوش..إلى زمن الميليشيات

17:42

2014-10-06

يوسف الكويليت

تنهار جيوش وطنية أمام جيوش غازية لأسباب كثيرة، العقيدة، والأعداء والولاء وامتلاك القوة المتفوقة تقنياً، وخاصة في الأيدلوجيات العسكرية الحديثة التي طورت أدواتها بما يفوق بسنوات وأجيال طويلة للقوى الأضعف..

الجيوش العربية التي تأسست ما بعد نكبة فلسطين اختلفت أهدافها من تحرير فلسطين إلى الولاء للحزب مثل جيشي العراق وسورية اللذين تبادل فيهما الشيوعيون والبعثيون القيادات والمناصب حين ينقلب طرف على آخر، غير أن صدام حسين وبمعاونة عربية ودولية، شكل أكبر قوة عسكرية استطاع أن يوقف الزحف الإيراني ويهزم قوته، لكنه أنهك بالحروب وطيش السلطة باحتلال الكويت ثم تسريحه بعد الاحتلال..

لندع الجيوش المتماسكة حالياً في معظم الدول العربية، ونتساءل عن سر تحلل وهزائم قوات العراق وسورية واليمن وليبيا، وكيف أن مليشيات محدودة العدد والتدريب استطاعت إما أن تضعف تلك القوة مثل الجيش السوري، أو تستسلم مثلما حدث لجيش المالكي في العراق وبقايا ما صنعه القذافي، ثم أخيراً سقوط معظم القوات اليمنية بيد الحوثيين، ولذلك ليأتي هذا السقوط لصالح المليشيات وتنظيمات إرهابية، لجيوش استنزفت ميزانيات ومداخيل تلك البلدان والنتيجة المنطقية أن تركيبتها لم تكن وطنية تستند إلى تربية خاصة بأن الوطن فوق الجميع بدلاً من الزعيم أو الطائفة والقبيلة وهذا أحد العوامل الأساسية في التحولات الراهنة حين تعددت الولاءات وصارت الجيوش ميليشيات داخلية تقودها عناصر ليس لديها الولاء للسلطة لتعمل على تفكيكها؟..

إذن ما هو الهدف من بناء جيوش تستنزف البلايين، إذا كانت الحرب مع إسرائيل موقوفة بحكم الواقع القائم بعجزها عن مواجهة عدوها، أم إن المخاوف من الأشقاء سبب جديد إلى جانب قوى إقليمية مثل إيران وتركيا لا تخفيان أطماعهما بتركة العربي المريض، وهي تحديات لها ظروفها، غير أن ما نخشاه أن دولاً عربية مستعدة للتحالف مع غيرها من الخارج لإسقاط حكومات مستقرة، والأزمة أخلاقية بالدرجة الأولى حين نرى العراق يرفض تدخل قوات عربية لضرب داعش، ويسمح لإيران ودول حلف الأطلسي بممارسة هذا الحق، وإذا كانت الاعتبارات تدخلاً بشؤونه، فالقوى الكبرى تتحرك على نفس المسافة، ولكن بأهداف مختلفة، ودون مشورة من سلطته؟..

السبب الآخر أن القوات العسكرية العربية معظمها تولى السلطة وبنى امتيازات لضباطه فقط وأصبحت تمارس سياسة الثكنة بدلاً من الحكم المدني، وبالتالي لم تعد تحظ بالتأييد الشعبي وخاصة في دول الربيع التي حكمت من قبل ضباط الانقلابات، وباستثناء مصر التي دخل جيشها الامتحان الصعب أمام الإخوان، فوجد مساحة هائلة من التأييد الشعبي الذي يقل نظيره..

هذه الصور تعكس أن الأزمات أكبر من أن تعالج بالصدمات المباشرة، فالخلل هنا بنيوي متراكم منذ سنوات طويلة، أدت إلى انفجار العرقيات والمذاهب وغيرهما لتنقسم المجتمعات الواحدة، إلى صراعات وتصفيات جسدية عملت على خلق واقع جديد، تفتيت الجيوش لصالح المليشيات، والدلائل تشير إلى أن المنطقة تتجه إلى حروب أهلية تستقطب جماعات مرتزقة من دول أخرى بذرائع جهاد الكفار، وهو حكم أطلقته المذهبيات على كل من لا ينتمي لها..

المحيّر الأكبر أن غياب الهوية الوطنية حدث جديد، أي إن وثائق الدول لم تعد ذات قيمة أمام مشروع الحلم الأكبر للخلافة أو حكم الطائفة، ولا معيار لقوة مسلحة وطنية إذا كان البديل موجوداً وبعقيدة أخرى.