إيران في اليمن ... بين الواقع والمبالغات

02:40

2014-10-06

خير الله خير الله

في الإمكان الحديث عن انتصار ايراني كبير تحقّق في اليمن، لكنّ المستغرب في الأمر، تلك المبالغات الصادرة عن بعض الأوساط الإيرانية عن قوّة إيران وانتشار نفوذها في المنطقة وفي البحار، وصولا إلى باب المندب. يبدو الهدف من هذه المبالغات، على الرغم من الأهمّية الإستراتيجية لليمن، التغطية على شيء ما قد يكون رفض المجتمع الدولي الاعتراف بالدور المهيمن لإيران في المنطقة وحصر المفاوضات معها بالملفّ النووي. قد يكون ذلك عائدا ايضا إلى الصفعة التي تلقتها ايران في العراق حيث معطيات جديدة ترفض الاعتراف بها...

من عادة المسؤولين الإيرانيين التقليل من حجم الانتصارات التي يحقّقونها. هذا عندما يكون هناك انتصار حقيقي لا يمّثل مجرّد حاجة للتغطية على ضعف ما في مكان ما. يكتفي هؤلاء، في العادة، بالتظاهر بالعفّة والتواضع وادّعاء رفض التدخّل في شؤون الدول الأخرى...والشكوى في الوقت ذاته من الظلم الذي يتعرّضون له من جانب قوى «الاستكبار العالمي» واسرائيل طبعا.

في المقابل، يترك الإيرانيون المبالغات للأدوات التي في تصرّفهم، مثل «حزب الله». من عادة الحزب الذهاب إلى أبعد حدود في المبالغة والحديث عن انتصارات لا علاقة لها بالواقع من قريب أو بعيد. فالحزب، الذي ليس سوى لواء في «الحرس الثوري» الإيراني، تحدّث وما زال يتحدّث عن «النصر الإلهي» الذي حقّقه في حرب صيف العام 2006، في حين أن الحرب كانت هزيمة ساحقة ماحقة ليس بعدها هزيمة للبنان الذي تعرّضت بنيته التحتية ومنازل المواطنين لخسائر لدمار، هذا من دون التطرّق إلى حجم الضحايا بين المدنيين... في وقت لا تزال في جنوب لبنان، حتّى الآن، بيوت مهدّمة نتيجة ارهاب الدولة الذي مارسته اسرائيل في اثناء حرب 2006!

يمكن فهم موقف «حزب الله» الذي لا يتردّد، كلّما سنحت له الفرصة هذه الأيّام، في الذهاب بعيدا في تقدير حجم الانتصار الحوثي في اليمن. الحزب في حاجة دائمة إلى رافعة نظرا إلى أنّه يعاني من تورّطه في سورية حيث يشارك نظاما فئويا، يمثّل أقلّية، في ذبح شعبه. يفعل ذلك من منطلق مذهبي بحت بناء على طلب ايراني. إنّه في حاجة مستمرّة إلى ايجاد غطاء للأخطاء الضخمة التي يقع فيها مثل خطأ الدخول في مواجهة مع الشعب السوري.

في كلّ وقت من الأوقات، يكون هذا الغطاء على حساب لبنان وعلى حساب اللبنانيين الذين عليهم الآن تحمّل النتائج المترتبة على التدخل العسكري للحزب في سورية، على سبيل المثال وليس الحصر.

مبالغات «حزب الله» دليل ضعف وليس دليل قوّة ولا تمرّ إلّا على السذّج أو على الانتهازيين من المرتبطين بمصالح معه. إنّها تنم عن استخفاف بعقول اللبنانيين الذين يعرفون تماما أنّ قوة الحزب في سلاحه، غير الشرعي، الموجه إلى صدورهم العارية وفي قدرته على تعطيل مؤسسات الدولة اللبنانية، بما في ذلك منع انتخاب رئيس للجمهورية. ما هذه القدرة على ممارسة السلبية التي يعتبرها «حزب الله» انتصارات تصبّ في نهاية المطاف في افقار اللبنانيين من كلّ الطوائف والمذاهب واجبارهم على الهجرة؟ أين البطولة في نشر البؤس ومنع العرب من المجيء إلى لبنان والاستثمار فيه مثلا؟

هل إيران في وضع ضعيف مثلها مثل «حزب الله» كي تتبجّح بالطريقة التي يتبجّح بها بـ«انتصاراته»؟

صحيح أنّ الحوثيين، أي «انصار الله» الذين سيطروا على صنعاء باتوا يتحكّمون بالقرار السياسي في البلد. لا حكومة يمنية بعد اليوم من دون موافقة «انصار الله» الذين تربطهم علاقة عضوية بإيران. هناك منطقة يمنية باتت تحت السيطرة الكاملة للحوثيين الساعين حاليا إلى التمدد في اتجاه محافظة حجّة التي لديها ميناء على البحر الأحمر هو ميدي. صحيح أيضا أنّ في استطاعة الحوثيين الاكتفاء، في اسوأ الأحوال، بكيان خاص بهم يجعلون منه دولة تمتلك منفذا بحريا وحدودا طويلة مع المملكة العربية السعودية. كذلك، صحيح أن الحوثيين اقوياء في داخل صنعاء، حتّى لو خرج منها قسم من الميليشيا التابعة لهم، فضلا عن أنّ مطار صنعاء سيظلّ تحت مظلتهم وسيطرتهم الفعلية.

كلّ هذا صحيح. ولكن في ما يتعلّق باليمن، ما الذي في استطاعة «انصار الله» عمله للناس العاديين؟ هل ايران مستعدّة لضخّ مليارات الدولارات سنويّا لدعم الاقتصاد اليمني، كي يكتشف اليمنيون، الذين يعيشون بأكثريتهم الساحقة تحت خطّ الفقر، أن شيئا ما تغيّر منذ ذهاب الرئيس علي عبدالله صالح إلى منزله؟ هل في استطاعة ايران تحمّل عبء اليمن بمجرّد أنّها تمتلك ميليشيا مسلّحة متماسكة تطلق شعارات مؤيدة لها من نوع «الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود»؟

دعم اليمن من دون خطّة مدروسة تتولى جهات قادرة تنفيذها على الأرض، اشبه بمن يحاول تعبئة الماء بواسطة سلّة مثقوبة. سبق لكثيرين أن حاولوا دعم اليمن في مرحلة كانت فيها، في عهد علي عبدالله صالح، شبه هياكل لمؤسسات الدولة. ما العمل الآن في ظلّ انهيار الدولة. لو كانت ايران تستطيع البناء، لكانت استخدمت مواردها النفطية في خدمة شعبها الذي يعيش نصفه، إن لم يكن أكثر من نصفه، تحت خطّ الفقر.

تستطيع ايران اطلاق صيحات النصر قدر ما تشاء. لا شكّ أنّها باتت موجودة في منطقة استراتيجية في الجانب الآخر من الجزيرة العربية ولكن من الباكر الحسم في الموضع اليمني.

من الباكر جدّا الحسم، على الرغم من أنّه يجب عدم الاستخفاف بالحوثيين وبما يمثّلونه في اليمن، خصوصا في المحافظات الشمالية حيث الرابطة الهاشمية بين العائلات الكبيرة، وهي رابطة يستخفّ بها كثيرون، نظرا إلى أنّهم لا يعرفون الكثير عنها.

اطلاق صيحات النصر شيء والواقع شيء آخر.اليمن ليس بلدا سهلا. يمكن سؤال المصريين عن ذلك والعودة قليلا إلى المغامرة التي خاضها جمال عبدالناصر الذي ارسل افضل قواته إلى هذا البلد في ستينات القرن الماضي. كلّفت المغامرة اليمنية عبدالناصر ومصر الكثير، بل الكثير جدّا، وكانت تنمّ عن جهل شبه تام بالبلد وتعقيداته وبطبيعة اليمنيين وتقلّباتهم.

كانت ايران تعتقد أنّ العراق صار في الجيب وأن البحرين ستسقط بين لحظة واخرى وأن سورية صارت تحت السيطرة، كذلك لبنان. لم تكن حساباتها دقيقة لا في العراق ولا في البحرين ولا في سورية ولا في لبنان.

حيث توجد ايران، توجد مقاومة لها ولفكرها المذهبي، الذي يقوم على استغلال المذهب في خدمة مشروع سياسي ذي طابع توسّعي، علما أن الانتماء الفارسي هو ما يهمّ الإيرانيين ويحرّكهم أوّلا وأخيرا.

حتّى في اليمن، حيث يوجد كره للإخوان المسلمين وما يمثّلونه، تستطيع ايران التخرّيب. هذا أمر مفروغ منه. يعرف كلّ لبناني يمتلك حدّا أدنى من العقل والمنطق أن ايران تلحق اضرارا كبيرة بالبلد بدليل دورها في تعطيل المؤسسات وضرب الاقتصاد، من دون الحديث الآن عن دورها في اثارة الغرائز المذهبية وفي قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه والاغتيالات الأخرى...

لماذا يكون دورها مختلفا في اليمن حيث تسير، من ناحية المبالغات، على خطى «حزب الله»؟

هل ايران بهذا الضعف بعد الضربة التي تلقتها في العراق والتي ستتلقاها، عاجلا أم آجلا، في سورية، سورية ـ الأسد طبعا؟ هل هذا الضعف الذي يفسّر المبالغة في انتصارها اليمني الذي لابدّ من الاعتراف بأنّه انتصار، أقلّه إلى الآن...